ويندّدُ متبجّحٌ يلعبُ بِسرَّتِهِ بعد أن لذعت سخونةُ فنجانِ القهوةِ لسانَهُ لكي يعترضَ على من يُعبِّرونَ عن مكنونِ النّفسِ، وعن وهجِ الحُرقةِ الصّادقةِ فإذ به يتندّر على حرقتِهم بأنّ هذا لا تغيير فيه ولا فائدة، ويكأنّه يحدّثنا من على تخومِ البيتِ الأبيض أو وهو يمسكُ بالممحاةِ التي يمرّ بها سريعاً على توقيع ترمب أو أنّه يجتهدُ لكي يسنَّ سكّيناً يحزُّ بها رقبةَ الصّهاينة الّذين أحاطوا بذاك الطفلِ الخليليّ لكي يقتصَّ منهم..
أيا لاعباً بِسُرَّتِهِ متمايلاً بشدقيهِ تعالَ لنقفَ أنا وأنت مع الّذينَ لم يجدوا في غزوة تبوك ما يقدموه للجيش فتولَّوْا وأعينُهم تفيضُ من الدَّمْعِ، فكان الدَّمْعُ لهم وهو مجازُ حرقتِهم على عدم وجودِ ما يقدّموا إعلاناً من رسول الله أن شاركوكم الأجرَ ولو على بُعْدِهم.
أيا لاعباً بِسُرَّته متمايلاً بِشدْقَيْهِ تعالَ لنقفَ مع حديث الفسيلةِ التي تُوضعُ في التّرابِ والكونُ يمورُ بالقيامة الكبرى، كانت تلك إشارةً نبويةً إلى أنّك قادرٌ على أن تبذلَ للكونِ حتى لو كان ما تقدّمه في نظر المعطيات المتوافر لا شيء، ولكنّه كلُّ شيء في حدودِ طاقتك.

أيا لاعباً بِسُرَّتِهِ متمايلاً بشدقيه أما تذكرُ حديثَ النّبيِّ عليه السّلام "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ"؟ أما تذكرُ كيف أنَّ إزالةَ الأذى عن الطريقِ وهو عملٌ بسيطٌ سهلٌ ميسورٌ يجعلُ الدّرجاتِ تترًا على صحيفة فاعله؟
أيا لاعباً بِسُرَّتِهِ متمايلاً بشدقيه لَوْ أنّ شَخصاً أوقفته سيارتُهُ لِعطلٍ فيها على جانب الطّريق ومرّ به أحد الْغرباءِ وأخْبَرَهُ أنّه يتمنى لو يُساعده ولكنه غَيْرُ قادرٍ على الْمساعدة فَسوف يَشعرُ صاحبُ السّيارةِ بأن هذا الشّخص مُتفضلٌ عَليهِ بل إنّ الشّعور الذي سَوف يتسرّبُ إليه أن "الدّنيا بخير" مع عدمِ وجودِ مُساعدةٍ فِعليةٍ للمشكلةِ الْقائمةِ فَتخيّل كم هي الْمشاعرُ التي سوفَ تُبثُّ في قُلوبِ الْمرابطينَ في فلسطينَ الْحبيبةِ عندما يُشاهدونَ الأعدادَ الهائلة من الأقلامِ والشّباب التي تدفقتْ واقفةً إلى جانبهم ولو على مُستوى النية الصّادقة في مدّ يد الْعونِ.
وقبلَ بضعِ شُهورٍ تراجعَ الكيانُ عن وضعِ البواباتِ الإلكترونيّةِ على مداخلِ الأقصى، لأنّ جهوداً مقدسيةً على أبوابِها استمرّت، ولأنَّ جيوشاً إلكترونية أعانت المرابطينَ على مدار أسبوعين كاملين. لقد أجّجَ الفيسبوك شرارَ الرّبيعِ العربيّ ذاتَ زمانٍ مورقٍ ورصَّ صفوفَ الوعي بينَ شبابِ الأمّةِ، وهو في كلّ حدثٍ يصبحُ الفيسبوك صهوةَ الحديثِ التي لا تكبو.
ونجمعُ بين آيتين لطالما فرَّقْنا بينهما دَرْءاً للمسؤوليّة، وهما "لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا" والأخرى "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا". فَبينَ الوُسْعِ الذي يدركُهُ كلُّ واحدٍ منا، وبين ما قد آتانا اللهُ لكي نُحاسَبَ عليه إن لم نستثمره نجلس أمام لوحةِ المفاتيح لكي نَرْهزَ أفئدةَ الأمّة لعلّ أضعفَ الإيمانِ ينتقلُ يوماً إلى عموده وهو الجهاد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

