تعقيدات التحليل العقلاني

blogs السياسة

نتعرض جميعا للأسئلة المحيرة من مجتمعاتنا الصغيرة على مستوى الأسرة والأهل والأصدقاء، فضلاً عن غيرهم من المتابعين للإعلام والمتعطشين لمعرفة ما يجري وفِي أي سياق يتم، وللأمانة والدقة، فإن عالم المصالح المترنحة المتقلبة وعالم المزاجية الفردية والتحولات السريعة بل والخاطئة جعلت من عملية التحليل السياسي والمتابعة الإعلامية الرصينة عملية صعبة ومعقدة.

 

تعلمنا في الجامعات عن مفاهيم ومرتكزات العلوم السياسية، وخضنا الأبحاث والتجارب التحليلية عن التوجهات الاستراتيجية الكبرى والثابتة لدى الدول المهيمنة والدول الاستعمارية، ولكن هذه المنطلقات التي تعلمناها وأوسعناها بحثاً وتمحيصاً وتجاذباً حتى عبر مساحات الإعلام العام باتت يافطات بالية لا يمكن رفعها في أي ميدان للاحتجاج بها.

 

هنا أشير إلى أننا بتنا أمام نظرية القوس البريطانية بلا قوس، وقد كُسرت نظرية عدم التصادم مع الدب الروسي التي كانت معتمدة من قبل الولايات المتحدة، ونظرية إسرائيل الكبرى باتت في مهب الريح، وفلسفة الإحاطة للدول العربية بدول غير عربية لتأدية الأدوار الوظيفية باتت تأخذ منحنيات غير تلك التي خطط لها، وهذا الأمر متحقق بالفعل إذا قسنا الأمر كذلك على النظريات الاستراتيجية للدول العظمى في المجال الاقتصادي.

 

إن حجم التحولات الذي تم في السنوات الخمس الماضية قد نسف بالفعل كل ركائز التخطيط الدولي، وغير المياه الراكدة ومنهجيات المألوف، فنحن اليوم أمام تحالفات جديدة، وتوجهات جديدة لكل تحالف ينشأ، ومع اختلاط حلفاء الأمس مع أعدائهم التقليديين في أكثر من محور، ونشوء حالة من الانكفاء على الذات في كثير من الدول الأوروبية، وميلاد حالات القيادة الفوضوية في كثير من الدول المؤثرة، وميلاد حالات الهجرة والحروب والنزاعات والاستباحة التامة لكل القواعد المحرمة في حقوق الإنسان وسطوة الإعلام وتغول الاستبداد، هنا نشأت المشكلة!

 

يجب على أصحاب القرار التركيز على بناء عوامل القوة ومرتكزات النجاح الذاتي على مستوى الخطط والأفراد والمقدرات بدل الانشغال غير المجدي في تحليل وتقليب الرأي فيما يجري وكيفية ما جرى

القضية ليست اعتذاراً وتوصيفاً مفرغاً من مضامينه بقدر ما هي فرصة جديدة للجميع لإعادة قراءة الواقع، والخروج من أنماط التفكير القديمة، وقد أعجبني جداً أحد المحاضرين في الناتو، وأحد الوجوه السياسية الدولية في تركيا البروفيسور مسعود جاشن الذي قال لي هذه العبارة: "كل المخططات الاستراتيجية سقطت، والثابت الوحيد الذي يُؤْمِن به الجميع أن الله وحده هو الذي يدير الأمور ليرتب شيئا ما في هذه المنطقة والعالم".

 

بعد هذه المقدمة والتمهيد، كيف يمكن لنا أن نفهم ما يجري إذا؟!

 

كل التحولات التي تتم في العالم اليوم من ملفات كوريا الشمالية وصولاً لليمن، ومن انفصال أوروبا لتفكك مجلس التعاون الخليجي، وما قبل ذلك وبعده على مستوى التوجهات الاقتصادية، تعتبر اليوم مصلحة الجهة القائمة هي ركيزة الحراك، بعيداً عن المخططات الكبرى، فهي أقرب لكونها تكتيكات عملية من كونها جزءاً من خطة استراتيجية شاملة.

 

وبناءً على ذلك، فإن فهم الواقع أو تحليل المآلات المتوقعة على المدى القريب يكون ممكناً إذا تم فهم عقلية الإدارة القائمة على الدولة أو المؤسسة، وطبيعة المصالح المتبناة لديها، ولكن تحليلاً أعمق للتوجهات متوسطة وبعيدة المدى في ظل الظروف الراهنة يعد نوعاً من التخمين والضرب بالرمال ليس إلا!

 

ولفهم المطلوب في ظل هذا المشهد المعقد، يجب على أصحاب القرار التركيز على بناء عوامل القوة ومرتكزات النجاح الذاتي على مستوى الخطط والأفراد والمقدرات بدل الانشغال غير المجدي في تحليل وتقليب الرأي فيما يجري وكيفية ما جرى بما يهدر الوقت والجهد بما لا ينفع، فنحن في زمن يكفي فيه فهم الصورة العامة، والاستفادة بما يمكن من خلال اقتناص ما يتاح، دون الإغراق في ندوات ومؤتمرات ولقاءات استنساخية يضيع الوقت بلا طائل.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان