الفكر الخارجي.. أسسه ومقولاته

blogs الخوارج

تردد كثيرًا لقب "الخوارج" في السنوات الأخيرة، سواءٌ على لسان بعض فقهاء السلطة في مصر لشرعنة قمع الإخوان المسلمين بحجة أنهم "خوارج"، أم على لسان مشايخ آخرين لوصف داعش وأضرابها بأنهم خوارج. وبعيدًا عن المماحكات السياسية، فإن ثمة شبهًا مهمًّا بين جماعات العنف خاصةً وحركة الخوارج التاريخية يستحق التأمل، مع الإقرار بوجود مسافة تاريخية تفصل حركة الخوارج التاريخية عن حركات العنف الحديثة مما يحول دون المطابقة بينها أو حمل ظاهرة العنف الحديث على العنف التاريخي الصادر عن حركة الخوارج.

 

فالخوارج اتجاهٌ تاريخي تَحَول إلى جماعة متنوعة فيما بعد، يقول المُبَرَّد: "افترقت الخوارج فصارت على أربعة أضرب:

(1) الإباضية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض.

(2) والصُّفْرية، واختلفوا في تسميتهم، فقالوا قوم: سموا بابن صَفار، وقال آخرون – وأكثر المتكلمين: عليه -: هم قوم نَهَكتهم العبادة فاصفرّت وجوههم.

(3) ومنهم البَيْهسية وهم أصحاب بَيْهَس.

(4) ومنهم الأزارقة، وهم أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي. وكانوا قبلُ على رأي واحد لا يختلفون إلا في الشيء الشاذ من الفروع"، أي أن أفكار هذا الاتجاه نمَت وطرأ عليها التطور والانقسام حتى صارت فرقًا عِدّة أوصلها بعضهم إلى عشرين!

 

ولن ندخل في تفاصيل ذلك التطور والاختلاف، ولكن حسبنا في هذا المقام تجريد الأفكار الرئيسة للفكر الخارجي الأول بعيدًا عن تطوراته وانقساماته التي تُدرس في كتب الكلام أو التاريخ، ويمكن لنا أن نستخلص أربع مقولات رئيسة في هذا الاتجاه، وهي: التحكيم، والتكفير، والاستعراض، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسنفصل فيها بحسب ما يسمح به المقام لنَبني عليها لاحقًا أوجه الشبَه التي نراها بين جماعات العنف عامة وبينهم.

 

1- التحكيم:
أصبح تكفير المخالف أحد أبرز عقائد الخوارج التي اشتُهروا بها طوال التاريخ الإسلامي، وأن دار الإسلام تتحول إلى دار كفر بظهور المعاصي فيها، وتكفيرهم مرتكب الكبيرة مشهورٌ

فالتحكيم (لا حكمَ إلا لله) هي القضية المركزية التي وقع الخروج بسببها أول الأمر على الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، ولكن علياً رضي الله تعالى عنه وجّه إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه ليناظرهم، فقال لهم: "ما الذي نَقَمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: قد كان للمؤمنين أميراً، فلما حكّم في دين الله خرَج من الإيمان، فلْيَتُب بعد إقراره بالكفر نَعُدْ له"، فقال ابن عباس: "إن الله عز وجل قد أمرنا بالتحكيم في قَتْل صيد، فقال عز وجل: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)، فكيف في إمامةٍ قد أَشْكلت على المسلمين!"، أي أنه أوضح لهم أن مسألة التحكيم مسألة مركّبة وتحتمل معاني عدة، ولكنهم أصروا على رفض تحكيم الرجال في أمور المسلمين، ورأوا ضرورة الخروج من القرية الظالم أهلها.

 

2. التكفير وتَحَول الدار:

يذكر المبرد أن الخوارج "لم يَزالوا على رأي واحد يتولَّون أهل النهر ومِرْداساً ومَنْ خرج معه حتى جاء مولى لبني هاشم إلى نافع، فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن مَن خالَفَنا مُشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال. قال له نافع: كفَرتَ وأحللتَ بنفسك، قال له: إن لم آتِكَ بهذا من كتاب الله فاقتلني، (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً)، فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم.

 

فشهد نافع أنهم جميعاً في النار، ورأى قتلَهم. وقال: الدار دارُ كفر إلا من أظهر إيمانه، … وإنْ جاءَ منهم جاءٍ فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب لا نَقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقَعَدُ بمنزلتهم، والتقيّة لا تحل، فإن الله تعالى يقول: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)، وقال عز وجل فيمن كان على خلافهم: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ). فنَفَر جماعة من الخوارج عنه، منهم نَجْدة بن عامر، واحتجّ عليه بقول الله عز وجل: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) وبقوله عز وجل: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)، فالقَعَد منا، والجهاد إذا أمكن أفضل؛ لقوله جل وعز: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً). ثم مضى نَجْدة بأصحابه إلى اليمامة وتَفَرّقوا في البلدان".

 

وقد مشى نافعٌ – وقد كان مُقَدَّمًا في فقه الخوارج – على ذلك، فرأى أن المخالفين مشركون، وكفّر القَعَدَة وأباح قتل الأطفال، وحكم على الدار بأنها دار كفر، حتى إنه كتب إلى أهل البصرة يقول: "ففيمَ المُقام بين أظهر الكفار؟!"، وكذلك قال أبو بَيهس هيصم بن جابر الصنعي – وكان أحد رؤوس الخوارج -: "الدار دار كفر، والاستعراض فيها جائز، وإنْ أُصيب من الأطفال فلا حرج"، واستمر هذا الرأي مع اشتداد المعارك بينهم وبين السلطة التي رأوا أنها معارك بين مسلمين وكفار، ولذلك لما قُتل أميرهم ابن الماحوز اجتمعوا بأَرْجان فبايعوا الزبير بن علي، "ورأى فيهم انكساراً شديداً وضعفاً بيّناً"، فجمعهم وخطبهم فقال: "إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر، وهو على الكافرين عقوبة وخِزي، … ثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض"، وأصبح تكفير المخالف أحد أبرز عقائد الخوارج التي اشتُهروا بها طوال التاريخ الإسلامي، وأن دار الإسلام تتحول إلى دار كفر بظهور المعاصي فيها، وتكفيرهم مرتكب الكبيرة مشهورٌ، ويرون "ذهاب الإيمان جملةً بإضاعة الأعمال"، وقد وُجد بينهم من يكفّر من اجترح ذنبًا ولو جاهلاً، ومن يكفّر كل مذنب حتى مرتكب الصغيرة.

 

شكّل الجهاد ثابتًا من ثوابت الفكر الخارجي، لأنهم رأوا خروجهم على من يَرونهم ولاة الجور جهادًا واجبًا
شكّل الجهاد ثابتًا من ثوابت الفكر الخارجي، لأنهم رأوا خروجهم على من يَرونهم ولاة الجور جهادًا واجبًا
 
3- الاستعراض:

الاستعراض – وهو اعتراض الناس وقتلهم – إحدى المسائل التي تَبَناها الخوارج في بعض الفترات التاريخية، وإن لم تكن محل اتفاق بينهم، خصوصًا مع شدة وطأة السلطة عليهم ونَيْلها منهم في معارك متتالية في ولاية عبيد الله بن زياد الذي يصفه ابن خلدون بأنه "اشتدّ على الخوارج". وقد مثّل الاستعراض سلوكًا وَسَم أغلب الأعمال التي وقعت في البصرة في ولاية زياد وابنه، ومن هؤلاء انبثقت النواة الأولى لتيار الأزارقة؛ فقد تَعَمد هولاء "التحكيم والقتل في المساجد واختيار ضحاياهم خاصة من بين الذين اشتهروا بالتدين والزهد".

 

ويذكر المؤرخ البلاذري عن بعض الرواة أن الخوارج "صيّروا إمامَهم زحّافًا، وخرجوا يَستعرضون الناس ويقتلون مَنْ لَقوا، وكانوا يَدينون بالاستعراض"؛ فقد "قتلوا رجلًا من بني ضبيعة يقال له: حكاك، رآهم فظنهم مع صاحب الشّرط، وقتلوا غيره، وضربوا رجلاً من بني قَطيعة فصار أضجم، وأتَوا مسجد بني قطيعة فأخذوا بأبوابه حتى هرب الناس ووَثبوا الجدُر، وصعِد رجل المنارة فنادى: يا خيل اللَّه اركبي، فأنزلوه وقتلوه، وخرج بُكير بْن وائل الطاحي من الأزد وقد اتقاهم بطَيلسان له فقطّعوه بأسيافهم، ثم نجا…".

 

ولكن أبا بلال مِرْدَاس بن أُديّة – وُصف بأنه "عابد مُجْتَهِد عظيم القدر في الخوارج" – كان "لا يَدِينُ بالاستعراض، ويُحَرِّمُ خروج النساء، ويقول: لا نُقَاتِلُ إلا مَنْ قَاتَلَنَا ولا نَجْبِي إلا مَنْ حَمَيْنَا"، ولما بلغه ما قام به قريب وزحاف من استعراض للمسلمين قال: "قريبٌ لا قرّبه الله من الخير، وزحّاف لا عفا الله عنه. لقد ركباها عشواء مظلمة"، وكان أخوه عُروة يدعوه إلى الاستعراض، فقد قال أبو بلال لزُرْعة بن مُسلم العامري الذي أرسله ابن زياد لقتال الخوارج وقد اصطف الفريقان: "وَدِدت لَو كنتُ قَبِلتُ فيكم قَول أخي عُرْوَة، فَإِنَّهُ أشار علي بالاستعراض لكم كما استعرض قريبٌ وزحّاف النَّاس في طرقهم بِالسَّيْف".

 

4- الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأً إسلاميًّا فإنه قد أخذ صِيَغًا مختلفة بين المعتزلة والخوارج وأهل السنة والجماعة، فقد أصبح "تحقيقه بمناسبة وبغير مناسبة علامة دالة على الخوارج" كما يقول فلهاوزن

شكّل الجهاد ثابتًا من ثوابت الفكر الخارجي، لأنهم رأوا خروجهم على من يَرونهم ولاة الجور جهادًا واجبًا، وكانوا في أول أمرهم قد اجتمعوا في البصرة "فقالت العامة منهم: لو خرَج منا خارجون في سبيل اللَّه، فقد كانت منا فترة منذ خرج أصحابنا، فيقوم علماؤنا في الأرض فيكونون مصابيح الناس يدعونهم إلى الدين، ويخرج أهل الورع والاجتهاد فيلحقون بالرب، فيكونون شهداء مرزوقين، عند اللَّه أحياء"، فخرج نافع ومن معه من البصرة ثم بدأ مكاتبة بقية الخوارج في البصرة يحثهم فيها على الخروج، وحرمة المقام بين أظهر المشركين وحرمة نكاحهم وأكل ذبائحهم، ووجوب دعوة قومهم إلى الدين، قائلاً: "وحَقٌّ علينا أن نُعلّم هذا الدين الَّذِينَ خرجنا من عندهم، ولا نكتم ما أنزل اللَّه".

 

وكتب لأهل البصرة "والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة، والدين واحد، ففيمَ المقام بين أظهر الكفار ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندَبكم الله إلى الجهاد فقال: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)، ولم يجعل لكم في التخلف عذراً في حال من الحال، فقال: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً)"، ويتردد الحديث عن الدعوة إلى جهاد العدو في خطب نافع بن الأزرق ومكاتباته المختلفة وفي نصوص غيره من الخوارج.

 

وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأً إسلاميًّا فإنه قد أخذ صِيَغًا مختلفة بين المعتزلة والخوارج وأهل السنة والجماعة، فقد أصبح "تحقيقه بمناسبة وبغير مناسبة علامة دالة على الخوارج" كما يقول فلهاوزن، ورأى ابن القيم أن الخوارج "أخرجت قتال الأئمة والخروج عليهم بالسيف في قالب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

 

تَمَحور خلافُ الخوارج مع غيرهم حول مسألة الإمامة كشأن عامة الخلافات التي بدأت سياسية ثم تحولت إلى خلافات فِرَقية كلامية واتسعت، وقد بدأ الخوارج بالاعتراض على حكم علي بن أبي طالب وما رأوا أنه تحكيم لآراء الرجال، ولكنهم لم يَلبثوا بعده أن تَبَلورت لديهم رؤية محددة للإمامة وشروط توليها ولقّبوا قادتهم بـ"أمير المؤمنين" في خلافة معاوية، ويبدو أن الأمر ارتبط بعدم اعترافهم بشرعية خلافته، وبشراسة المعارك التي دارت بينهم وبين الحكم الأموي الذي أسقطوا عليه كل الآيات المتعلقة بالكفار، كما أن ادعاء الإمامة والاستقلال بها ارتبط ارتباطًا وثيقًا بتبلور تصوراتهم عن الإيمان والكفر وتكفير المخالفين وتحويل الدار إلى دار كفر، ما أدى إلى إيجاد بديل وتنصيب أمير المؤمنين منهم؛ لأنهم تحولوا – في نظر أنفسهم – إلى جماعة المؤمنين.

 

ومن مظاهر مركزية السلطة في حركتهم، أنهم عندما خرجوا من البصرة إلى الأهواز سنة 64هـ طردوا عمال السلطان، وجبَوا الفيء، وبدأ نافع ابن الأزرق بمكاتبة باقي الخوارج من القعَدَة في البصرة، وفشا عمّاله في السواد، وتُحدثنا كتب التراجم عن وجود قضاة وفقهاء للخوارج، ثم في مرحلة قَطَري بن الفُجاءة قاموا بسكّ عُملة كُتب عليها "لا حكمَ إلا لله"، أي أننا أمام ترتيبات متعددة لتأسيس جماعة موازية والاستقلال بكيان سياسي وسلطة بديلة، وهو ما أدى إلى سريان الخروج على المحكومين أيضًا بعد أن بدأت الفكرة الخارجية على شكل اعتراض على سياسة الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم تَحَولت إلى خروج على الحكام، ثم مفارقة ديار الظالمين.

 

مشروع الخوارج كان مشروعًا داخليًّا يدور حول تصحيح وضع السلطة والمعتقد كما يرون، فلم يكونوا معنيين بالمشاركة بالفتوحات الإسلامية، أي أنه كان جهادًا موجهًا نحو الداخل
مشروع الخوارج كان مشروعًا داخليًّا يدور حول تصحيح وضع السلطة والمعتقد كما يرون، فلم يكونوا معنيين بالمشاركة بالفتوحات الإسلامية، أي أنه كان جهادًا موجهًا نحو الداخل
 

ولذلك وصَف ابن تيمية حالهم فقال: "ظهرت الخوارج بمفارقة أهل الجماعة واستحلال دمائهم وأموالهم"، وما يؤكد هذا المعنى أنهم سموا جماعتهم جماعة المؤمنين وسموا ديارهم دار الهجرة، وكانوا في بعض أحوالهم يمارسون عنفًا منفلتًا من أيّ قيد، فيعترضون الناس ويقتلون الأطفال، كما يقتلون الزهاد والمصلين في المساجد، وكانوا "لا يمرون بقرية بين أصبهان والأهواز إلا استباحوها وقتلوا مَن فيها"، و"كان في جملة الخوارج لدَدٌ … وتوطين أنفسهم على الموت"، بل كانوا يمجدون الموت والعمليات الانتحارية كما وقع في زمن ابن زياد.

 

ومن المهم أن مشروع الخوارج كان مشروعًا داخليًّا يدور حول تصحيح وضع السلطة والمعتقد كما يرون، فلم يكونوا معنيين بقتال الأعداء خارج دار الإسلام أو المشاركة في الفتوحات الإسلامية، أي أنه كان جهادًا موجهًا نحو الداخل، ونشأ عنفهم الفائق في ظل صراعهم مع الدولة الأموية (خاصةً عنف ابن زياد معهم)، واتخذ مشروعية نصيّة بدءًا من الخروج على علي بن أبي طالب وصولاً إلى تكوين جماعتهم، ونلمح في مراسلات نافع ونَجْدة بن عامر – وكان رأسًا من رؤوسهم وصاحب مقالة مفردة – والحِجاج بينهما كثافةً نصية في الاستشهاد بالقرآن، وقد جاء وصفهم في الأحاديث النبوية بأنهم "يَقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان"، وهو ما يؤكد فكرة المشروع الداخلي.

 

وقد تحدث علماء المسلمين عن الخوارج في مسألتين:

أصل التفرق والتمزق بالأمة هو التأويل الفاسد، وأول من فعل ذلك هم الخوارج ثم المعتزلة فالأشعرية وغيرهم، فكلُّ فرقة منهم تَأَولت في الشريعة تأويلاً مختلفاً، حتى تَمَزّق الشرع كلَّ مُمَزَّق

الأولى: الموقف منهم، فقد اتفق جماهير علماء أهل السنة والجماعة عبر التاريخ على ذمّ مسلك الخوارج، وأدرجوهم ضمن "أهل الأهواء والبدع"، وأجمعوا على "أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأي الجماعة وشقوا العصا، وجَب قتالهم بعد إنذارهم والاعتذار إليهم"، ولكنهم اختلفوا اختلافًا شديدًا في تكفيرهم وإن كان الجمهور يرى أنهم لا يكفرون.

 

الثانية: تفسير انحرافهم وأفعالهم، فقد ردوا ذلك إلى فساد منهجهم في الاستدلال في مسألتين: اتباع المتشابهات والتأويل الفاسد. وقد رُوي عن ابن عباس وقد ذُكر عنده الخوارج وما يَلقون عند قراءة القرآن فقال: "يؤمنون بمُحْكَمه ويَهلكون عند متشابهه"، وقد رد الخوارج المُحْكَم من النصوصِ وأفعالِ المؤمنين بالمتشابه منها، قال ابن القيم: "ردوا النصوص الصحيحة المُحْكَمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم – وإن ارتكبوا بعض الذنوب التي تقع مكفَّرة بالتوبة النصوح وغيرها … – بالمتشابه من نصوص الوعيد.

 

وردوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا قصَدوا بها طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد، وكان حظ أعدائهم منه تكفيرَهم واستحلالَ دمائهم وأموالهم، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب".

 

وأرجع ابن رشد أصل التفرق والتمزق في الأمة إلى التأويل الفاسد، وأوضح أن أول من فعل ذلك هم الخوارج ثم المعتزلة فالأشعرية وغيرهم ممن ذكرهم، فـ"كلُّ فرقة منهم تَأَولت في الشريعة تأويلاً غير التأويل الذي تَأَولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه هو الذي قصَده صاحب الشرع حتى تَمَزّق الشرع كلَّ مُمَزَّق"، وتابعه ابن القيم.

 

هذه التحليلات غير كافية في تفسير ظاهرة الخوارج وتطور جماعاتهم؛ والأمر نفسه ينطبق على جماعات العنف التي رفضت اختزالها بأنها ظاهرة نصية أو نتاج النص الديني أو نتاج سوء فهمه وتأويله؛ لأنها نتاج سياق تأزم الدولة في عالمنا، وتم استثمارها من قبل القوى الكبرى والأنظمة المحلية، أي أنها نتاج سياق مركب يتشابك فيه الواقع مع النص بل الواقع أسبق من النص حتى إن العودة إليه هي عودة شعائرية لا أكثر، كما فصلتُ ذلك في كتابي "العنف المستباح".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان