فلسطين شأن مصري خالص منذ الفراعنة

blogs يافا قديما

يبدو أن الحديث دائمًا عن القضية الفلسطينية حديثًا عاطفيًا، بتأثير القومية أحيانًا والدين أحيانًا أخرى. ويكثر الجدل حول مصر أولًا، وعدم الاكتراث بجيراننا الفلسطينيين، يدبروا شؤونهم بأنفسهم، أو يساعدهم غيرنا، فكفانا حروبًا من أجل تلك القضية مع الجار الإسرائيلي! الذي لا يحتاج حربنا ما دمنا في حِل من الارتباط مع غيرنا. ذلك الحديث الممجوج الذي طفح على الجميع بعد خطيئة كامب ديڤيد التاريخية، وتم تسليطه عمدًا على آذاننا بغية طمس معالم الصراع المصري قبل العربي / الإسرائيلي. ومن منظور وطني مصري خالص أرى أن القضية الفلسطينية قضية وطنية مصرية خالصة، في صميم الأمن القومي المصري، وضاربة بعمقها في جذور التاريخ المصري.

 

عزيزي القارئ أذكر هنا اقتباس من كلمات «محمد علي باشا الكبير»، مؤسس الدولة العلوية، التي حكمت مصر قروناً: "مفتاح الديار المصرية في الشام"، نمضي بعدها في رحلة عبر التاريخ، لنري أي بوابة لكل الغزاة في تاريخ مصر كانت البوابة الشرقية (الشام)، منذ أقدم العصور كان غزو الهكسوس الرعاع لمصر في العام ١٧٨٩ ق.م،  قادمين من الشام، أدرك المصريون القدماء بعدها خطورة إهمال تلك البوابة الخطرة، فكان بعد أن طرد المصريون بقيادة «أحمس» الهكسوس، أول تمدد للدولة المصرية وبداية الإمبراطورية الفرعونية، علي طريق الشام لتأمين الحدود الشرقية، التي هي مفاتيح الديار المصرية كما قال محمد علي باشا.

تمَددت حدود الدولة المصرية عبر الحدود الشرقية تمددًا مهولًا، في العصر الذهبي للمصريين إبان حكم الأسرة الـ١٨، حتى وصلت إلى الأناضول شمالًا في عهد تحتمس الثالث. تذكر النقوش علي جدران المعابد انتصارات رمسيس علي الحيثيين، بعد انحسار الإمبراطورية عن الشام، بعد الاضطرابات الدينية في عهد أخناتون، مما شجع أعداء الإمبراطورية المصرية علي الإغارة علي ثغورها، أعاد رمسيس الثاني مجد تحتمس، وأعاد سيطرة مصر علي ضلع الشام الحيوي والضروري لأمن مصر القومي، ثم عاد المصريون إلي الانكفاء داخل حدودهم مع ضعف وصراعات داخلية، ما جعلها مطمع للجميع قادمين من نفس البوابة «قمبيز الفارسي، الإسكندر الأكبر الإغريقي، قيصر الرومان، العرب (الفتح الإسلامي)، التتار، الصليبيون، الأتراك، الفرنسيين، الإنجليز»، الاستثناء الوحيد كان الغزو الفاطمي القادم من الغرب.

مصر يجب أن تبحث عن مجالها الحيوي، وأمنها القومي وخط دفاعها الأخير، بين أيدي ليست عدوانية توسعية كتلك الأيدي التي اعتادت على الفتك بالجميع
مصر يجب أن تبحث عن مجالها الحيوي، وأمنها القومي وخط دفاعها الأخير، بين أيدي ليست عدوانية توسعية كتلك الأيدي التي اعتادت على الفتك بالجميع
 

ومعركة العلمين بين الجيش الإنجليزي الثامن بقياده الجنرال «مونتجمري»، والجيش النازي بقيادة المارشال "روميل". يرى القائد الإنجليزي الشهير الجنرال "أللنبي"، قائد الجيوش الإنجليزية في فترة الحرب العالمية الأولى، أن آخر خط دفاع عن الأراضي المصرية هو خط غزه/بير سبع، (لاحظ كلمة آخروليس أول) خط دفاع، وكما نرى فإن هذا الخط في الأراضي الفلسطينية خارج الحدود المصرية التقليدية، أما الخط الأول للدفاع فهو في تخوم الشام البعيدة، حيث حاول تحتمس ورمسيس، وحيث التقى جيش قطز بالمغول، في عين جَالُوت، وانتصر، فكان الأمان للمصريين، وحيث ألتقى قنصوه الغوري بجيش العثماني سليم الأول، في مرج دابق في العام ١٥١٦، وانهزم، فكان الغازي في القاهرة بعد أقل من سنة.

كذا يعلمنا التاريخ، تنتصر في الشام تؤمّن القاهرة، تنهزم تستباح مصر طولها وعرضها. يقول الأستاذ «محمود عوض»، في كتابه العظيم "وعليكم السلام"، إن قرار إنشاء دولة إسرائيل كان في الربع ساعة التالية لخروج الجيش المصري من الشام، دولة تتحكم في ضلعي الشام ومصر، هي دولة يقاتلها الأقوياء دائمًا خوفًا ورعبًا منها، لذلك فلا بد من زرع كيان سرطاني عدواني في المفصل تمامًا، للضلعين يمزق أي محاولة لتوحيدهم.

اختصرت قدر المستطاع، وبقدر ما سمحت به المساحة ما يحتاج إلى مجلد كامل لسرد تفاصيله وأبعاده، القضية الفلسطينية ليست مجرد مشاعر جياشة من بقايا القومية العربية المهزومة، منذ كامب ديڤيد، ولا هي تصورات دينية يراها البعض أساطير الأولين، ولا التخلي عنها تعقل ونظر ثاقب ممن يظن انه أوتيَ من الحكمة ومن تأويل الأحاديث، ما يجعله يرى أن مصر يجب أن تنكفئ على ذاتها، وتصادق إسرائيل القوية، وتكف عن مساندة الفلسطينيين الضعفاء.

من منظور وطني خالص ومن منطلق نفعي تمامًا، مصر يجب أن تبحث عن مجالها الحيوي، وأمنها القومي وخط دفاعها الأخير، بين أيدي ليست عدوانية توسعية كتلك الأيدي التي اعتادت على الفتك بالجميع، والتي هي موجودة في الأساس بغرض قتل الدولة المصرية القوية القادرة على الدفاع عن مصالحها، وهذا ليس كلامي، إنما هي دروس التاريخ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان