في مطلع العام 1919 كانت انطلاقة العمل المسلح المنظم، والطلقة الأولى، عبر تشكيل "جمعية الفدائية"، وهي هيئة سرية ضمت عدداً من رجال البوليس والدرك، يشير د. عبد الوهاب الكيالي، في كتابه "تاريخ فلسطين الحديث"، إلى أن نشاطات هذه الجمعية (وغيرها) تتناول إعداداً شاملاً للثورة بما في ذلك:
"تسليح الأعضاء بالأسلحة الخفيفة وإعداد قوائم بأسماء اليهود البارزين والعناصر الموالية للصهيونية من غير اليهود مع تسجيل مكان إقامة كل منهم، بث الدعاية بين بدو شرقي الأردن.. وبذل الجهد لتركيز الضباط الفلسطينيين في عمان حتى يكونوا على أهبة الاستعداد إذا أعلنت سياسة موالية للصهيونية ثم تعليم عدد محدود من العملاء اللغة العبرية حتى يمكنهم متابعة ما يقال أو ينشر في الصحف العبرية، وتعيين عملاء لمراقبة كل ما يدور ويجرى، بذل الجهد للاتفاق مع رجال البوليس والدرك على تسليم أسلحتهم أو على الأقل عدم وضع العقبات في الطريق إذا ما نشبت الثورة، تشريب الأطفال مبادئ الوحدة العربية ولا سيما طلاب مدرستي الرشيدية وروضة المعارف. وبعبارة أخرى كانت جميع أنواع الإعدادات تجرى بهدوء للعمل في حالة نجاح أية سياسة صهيونية مهما بلغت من الاعتدال".

يكتب د. محسن صالح، نقلاً عن Yeshoa Porath، في كتابه " The Emergence of the Palestine National Movement, 1918-1929″، أن "جمعية الفدائية"، تولى زعامتها في البداية محمد الدباغ، ثم محمود عزيز الخالدي، واستمرت بأشكالَ مختلفةٍ حتى سنة 1923. وكان من الشخصيات الموجهة لها في الخفاء الشيخ سعيد الخطيب، والحاج أمين الحسيني، والشيخ حسن أبو السعود، والشيخ محمد يوسف العلمي. ونشطت في تجنيد الأعضاء وسط الجندرمة والشرطة الفلسطينية. ورغم أنه تم القبض على كثير من عناصرها، إلا أنه يظهر أن أفرادها شكَّلوا عناصر تحريض مهمة في انتفاضة موسم النبي موسى في القدس في أبريل سنة 1920.
يقول هليل كوهين، في كتابه "جيش الظل" [ترجمة: هالة العوري]، تحت عنوان "المعرفة قوة: مخبرون وجواسيس": ركزوا [جهاز الاستخبارات الصهيوني] الاهتمام، حول تنظيم يدعى "الجمعية الفدائية"، يعمل في دمشق و يافا والقدس…
يذكر أرشيف الهاغانا، أن عميلاً استخبارياً صهيونياً تمكن من حضور اجتماع لـ"جمعية الفدائية" جرى يوم 27 آب/ اغسطس 1919. وصف العميل الطبيعة السرية لـ"جمعية الفدائية" التي تجتمع مرة أو مرتين أسبوعياً، ويحدد الاجتماع قبل حلول موعده ببضع ساعات فقط. وتحدث عن حضور 16 عضواً وذلك، للإعداد للثورة. وعن نجاح الاتصالات التي أجروها مع زعماء العشائر في شرقي الأردن وعن مدى توافر الأسلحة، وعن جميع القرويين في ضواحي القدس الذين ينتزرون بفارغ الصبر أول إشارة لهم للعمل.
ويكشف العميل الصهيوني النقاب عن الخطاب الذي ألقاه، جودت الحلبي، أحد زعماء "جمعية الفدائية" في الاجتماع المشار إليه، جاء فيه: "لقد ابتعنا من الأسلحة بقدر ما أردنا وسنتلقى المزيد أيضاً. وإن عملنا الرئيسي ينبغي أن يكون ضد اليهود الذين يريدون أخذ أراضينا ولكن إذا ساعدتهم الحكومة فسنكون ضدها أيضاً. وأن الكثيرين من أعضائنا وأصدقائنا هم من رجال البوليس والدرك وهو أمر ممتاز جداً بالنسبة لمستقبلنا. إن علينا جميعاً ألا ننسى شهداء بلاد آبائنا وأجدادنا وشهداء كرامتنا".

كتب د. كمال محمد خلة، في كتابه "فلسطين والانتداب البريطاني 1922 – 1939″: ودعا محمود عزيز الخالدي، الذي كان ينتمي لعدة جمعيات سرية (منها: لجنة ترقي التمثيل العربي في فلسطين)، إلى اغتيال بعض زعماء اليهود في يافا وحيفا لبث الذعر في قلوب من يحتمل هجرتهم إلى فلسطين من اليهود، وقال:"أن شباب هذا البلد لا يخشون أحد بما في ذلك الحكومة الاستبدادية نفسها. إنهم يريدون البدء بالعمل حالاً وهم جميعاً على استعداد لملاقاه الموت سعداء. وإن معظمهم يسألونني دائماً عن الموعد الذي يشرعون فيه بالثورة ضد الكفار ويظهرون فيه قوتهم ويتخلصون منهم إلى الأبد".
ومن المؤكد، أن "جمعية الفدائية" كانت تعمل مع الجمعيات الأخرى "النادي العربي"، "المنتدي الأدبي" "جمعية الاخاء والعفاف" للإعداد للثورة الفلسطينية الشاملة.
ينقل د. عبد الوهاب الكيالي، وصف وايزمان [حاييم وايزمان] لنشاطات هذه الجمعيات، في تقرير مؤرخ في 8 شباط/ فبراير 1918. ويستفاد من هذا التقرير أن أعضاء هذه الجمعيات: "كانوا يوفدون أحياناً إلى القرى لإثارة الفلاحين ضد اليهود. وتحاول هذه الجمعيات كذلك تنظيم الإرهابيين والمؤسسات السرية لكي تقوم فيما بعد بحرب عصابات ضد اليهود. أنهم يحاولون بصورة عامة خلق روح معادية جداً ضدنا. وقد انخرط الكثيرون منهم في صفوف رجال البوليس حتى يسهل عليهم تنفيذ مهامهم كما أن الكثيرين منهم شباب متعلمون جداً درسوا في أوروبا وبعضهم يعرف القضية اليهودية معرفة تامة".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

