على قارعة طريق تجلس، فوق كرسي صغير يحتملها. احترفَت الانتظار، ساعات تمضي قبل أن يأتي أحدهم ليدسّ يده في جيبه، وقد لا يفعل. ما تبيعه ميمونة في المكان ليس سوى محصول الفول السوداني الذي يزرعه قومها في ولاية النيل الأزرق. لم تأتِ فاطمة اليوم، فحضرت ميمونة لتشغل مكانها بجوار من يشاطرنها البيع ذاته من "سيدات الأعمال" جلوساً وانتظاراً وتأملاً، ثم تعود إحداهن هانئة بنقد زهيد، بعد يوم يمتد بها حتى المساء.
ترجّلنا من سيارة متوسطة الحال قربها، بعد صلاة العشاء. أقرأناها سلاماً مشبّعاً بلكنة محلية، ردّت بمثله وزادته ابتسامة وقورة بدت جليَّة رغم بياض ظاهر في عينها اليمنى. بادر مرافقي العارف بالمناطق والقبائل والأنساب والعادات والألسن واللهجات بأن سألها عن أصلها وفصلها، قبل أن نفاوضها على سعر ما تبيع.
إنه الفول السوداني، وهو عندهن، بائعات الطريق في الخرطوم، من أجود ما يُقتَنى منه في العالم. ومن جرّب هذا المحصول في البلد الذي إليه يُنسب سيزهد بما عداه وإن احتوته تغليفاتٌ عصرية. إنه ينضج في جذور تحت السطح الدافئ. ويُباع هنا محمّصاً للآكلين، فيفوح بزيوته العطرية حيثما حلّ حامله.
جئنا لنبتاع وفرةً من المعروض، أو هو المعروض كله، لنهديه أصدقاءنا في أرجاء أوروبا المتجمدة هذه الأيام. لم تكن ميمونة مرتاحة لإقدامنا على إخلاء بسطتها الصغيرة مما فوقها، وكأنها حسبت أننا قصدنا الاتجار بما تبيع في محل قريب والتربّح من فارق السعر. انعقدت الصفقة، وأسديْنا إليها نحو أربعمائة جنيه سوداني، أو ما يقارب عشرين دولاراً.

أمسكَت ميمونة برزمة النقد الورقي على مضض، وأحجمت عن عدِّها. التمستُ إليها أن تباشر العدّ لعدم وُثوقي من تمام المبلغ في عتمة الليل، فأبت أن تفعل واعترضت: وكيف أعدّها من بعدكم؟ فمن خوارم المروؤة عند قومها أن يُعَدّ المالُ بعد دفعه. أقنعتُها بشقّ الأنفس أن تفعل، فباشَرت العدّ حتى حارت مع كل هذه الورقات اللامعة، التي استللتُها من رزمة نقدية جديدة تُشعر حاملها بثراء وهمي. فورقة من مائة دولار تمنحك رزمة منها أو رزمتين من عملات السودان والجوار الأفريقي.
أعادت ميمونة العدّ مرة تلو أخرى فاختلط عليها الجمع، ثم تدخّل رفيقي العارف بأحوال الناس والأقاليم، وباشر إسنادها في موقف أعادني إلى دروس الحساب الأولى. بدا واضحاً أنّ ميمونة قانعة ابتداءً، فلم تنشد بيعاً وفيراً ولم تأنس بأوراق النقد المتزاحمة. ولم يمنحها المال الفائض عن التوقّع شعوراً زائداً بالسعادة؛ بقدر حديثنا عن ناسها وعاداتهم وإقبالهم المعروف على حفظ القرآن الكريم.
هي سيدة أعمال نشطة، تدير تجارتها الخاصة التي تفي بحاجتها، وهي جادّة كادحة كما يُنبئ بذلك كفّاها، أما عيناها فتبوحان بالرضى والقناعة، ولسانها يُفصِح عن إيمان فطري عميق، وسلوكها يُنبِئ عن مدرسة في القيم التراحمية التي تذبُل في عالمنا.
لم تطلب ميمونة المال الوفير بضربة رأسمالية واحدة تنتهر فيها الفرصة كما يفعل مضاربو الأسواق، ولم تندفع لتأمين مزيد من الكمية المعروضة التي لم تكفِنا أساساً؛ بل أرشدتنا إلى الابتياع من رفيقاتها بالجوار، فهي تنتظر رزقاً يسيراً يأتيها حيث هي ببيع القليل من المحصول، والقليل على القليل كثير.
| في أروقة المال والأعمال العالمية يعدّون "بائعات الفول السوداني ومعهن "سيدات الشاي" المثابرات على قارعة الطريق" يعدّونهنّ جميعاً معضلة متأصِّلة، مبعثها قناعتهن بما في اليد وقصرهن النظر على ما يتعدّاه |
وما تفعل ميمونة بالنقد إن تراكم عندها؟ هي هانئة بردائها التقليدي الساتر الذي يلائمها تماماً ويحمل تاريخها العريق وهويتها الحيّة، ولا شكّ أنها تأنف الجينز الممزق الذي تتسابق إليه متصابيات الأرض. هي تزهد بمواسم اللباس التي يقررها سحرة الأزياء الذين يخرجون على أقوام الأرض في كل موسم دون أن يعرفوا النيل الأزرق وعالمه المدهش.
ما حاجتها باللهاث طلباً لمال فائض؟ فلن تتسكّع ميمونة بالمثلجات في مرافق الخرطوم الحديثة، ولن تشعر بالأسى لأنّ فروع" ستاربكس" غائبة عن الأركان. وهي ليست مضطرة إلى التقاط مئات الصور الذاتية كل أسبوع مع الفول السوداني؛ حتى تطلب هاتفاً ذكياً بنسخته الجديدة. وهل تقوى المجتمعات الافتراضية أساساً على مزاحمة مجتمعها الواقعي الذي لا تنفصم عراه الوثقى؟
هي قانعة تماماً ومكتفية ذاتياً ولا تنظر إلى ما في أيدي الناس من حولها. ولا تشغلها تأثيثات فاخرة في منزل يُحسَب أنه "عصري" كما يأتي في الشاشات. فمملكتها الساحرة كائنة هنالك، على ضفاف النيل الأزرق، وقد اتسعت لها الآفاق على مدّ البصر، وانفتحت لها السماء برحابتها، فتتلألأ النجوم البازغة من فوقها إن احتجب القمر عن مداعبة قاطنيها وإنارة وجوههم المشرقة بالأُنس. تتعطّل العولمة عند هذه السيدة السودانية، وإن فعلت المرحلة فعلها بالخرطوم بزينتها وندوبها.
ليس من عجب، إذن، أنهم في أروقة المال والأعمال العالمية يعدّون ميمونة وفاطمة وبائعات الفول السوداني ومعهن "سيدات الشاي" المثابرات على قارعة الطريق، يعدّونهنّ جميعاً معضلة متأصِّلة، مبعثها قناعتهن بما في اليد وقصرهن النظر على ما يتعدّاه. ينبغي غوايتهنّ، إذن، بألوان الدنيا، لتطلب ميمونة ورفيقاتها ما لا يَحتَجْنَه، وهنّ إنْ فعلنَ فسيَبْذُلنَ ثروات طائلة في سبيل تحصيل ما تفتّحت عليه العيون، بما سيدفع ميمونة لأن تفارق أرضها ومحصولها لتعمل في أفنية العالم الخلفي، بعد ركوب موج يتلاطم بها، فتبلغ بعده الفردوس الأرضي المزعوم إنسانة من الدرجة الثالثة، أو قد يبتلعها جوف البحر كما في النهاية المأساوية المحيِّرة، التي خلص إليها الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

