لن أكون من المغالين إذا ادعيت بأن أكبر عملية تزوير مفهومي، هي تلك العملية التي تمت مع مصطلح الاستعمار، لاعتبارين:
الأول: خاص بالمصطلح وما يشكله من أبعاد حضارية وتاريخية؛ ذلك أن هذا المصطلح ليس من طينة المصطلحات الهينة التي تبرز في حقبة تاريخية ثم يخبوا وهجها مع الزمن، فهو يعد من المصطلحات المحورية في القرن العشرين -إلى جانب أسرته المصطلحية؛ كالإمبريالية، والرأسمالية، والحرب العالمية، والنازية، وغيرها- حيث امتد تأثيره عبر الزمن والمكان، أفقيا وعموديا، مخلفا عميق الأثر على مختلف المستويات؛ اجتماعيا، حضاريا، اقتصاديا، فكريا، وعلى عنصري الفاعلية فيه: (الدول الاستعمارية كفاعل، والدول المستعمرة كمفعول به).
ولاتزال هذه الآثار سارية المفعول إلى يومنا هذا؛ فعلى المستوى الفكري: لايزال يطرح نفسه كمقولة تحليلية لأسباب انحطاط العالم الثالث، للمفعول بهم، والاستعلاء والنرجسية بالنسبة للفاعل "الرجل الأبيض"، وعلى المستوى الاقتصادي: لاتزال تلك المواد الخام التي تم نهبها تحرك مصانع الفاعل، وتحرك جيوب المفعول به كمستهلك؛ نظرا للعملية الميكانيكية التي تم إحكام قانونها عبر المعاهدات والاتفاقيات أثناء فترة الاستعمار، وقس على ذلك في كل الميادين والمجالات.
الثاني: خاص بمدى التزوير المفهومي الذي طال هذا المصطلح، فعلاقة الدال بالمدلول في حالة هذا المصطلح ليس علاقة مطابقة؛ بحيث يكون الدال مطابقا لمدلوله، كما هي العالة العادية التي تمليها طرق المواضعة في الاصطلاح، وليست هي علاقة انفصال بحيث ينفصل الدال عن المدلول لتعدد المدلولات في مقابل الدال الواحد كما هو حال مجتمعات ما بعد الحداثة، وإنما هي علاقة تضاد كلي بين الدال والمدلول!

فإذا كان الشريف الجرجاني في معجم تعريفاته ذكر من بين تعريفات مفهوم المصطلح تعريفا قال فيه: " هو -أي المصطلح- إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما" أي المناسبة بين المعنى اللغوي والمفهوم الاصطلاحي، كما هو الحال مثلا في المصطلحات الشرعية؛ (الصلاة/ الدعاء)، (الزكاة/النماء).. وقس على ذلك.. حيث نجد إن مصطلحات الشرع تراعي المناسبة بين اللغوي والاصطلاحي؛ فالصلاة جوهرها دعا، والزكاة فيها نماء للمال.. أما في حالة مصطلح الاستعمار؛ فإن هذه المناسبة ليست غائبة فقط، وإنما مغلوطة كليا! فالمعنى اللغوي نقيض الاصطلاحي كليا!
فإذا كان الاستعمار في عرف الناس، كما عرفه د.إسماعيل عبد الفتاح، في معجم مصطلحات عصر العولمة بقوله:" الاستعمار أو الاستعمارية: هي نزوع الدول الكبيرة لفرض سلطانها وإرادتها على البلدان الأخرى والاحتفاظ على هذه السيطرة بمختلف الوسائل السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، ومحاولة تغيير هوية البلدان المستعمر، وربطها بالدول الاستعمارية ربطا لغويا، وثقافيا، واقتصاديا، واستغلال ثرواتها وإقامة المشروعات المتعددة فيها"، فالمفهوم هنا مفهوم سلبي إلى أقصى الدرجات..!
| صناعة المستقبل تبدأ بتصحيح الرؤية المفهومية للماضي؛ وتأسيس مفاهيم للحاضر نابعة من تصور ذاتنا الحضارية ومصالحنا الاستراتيجية حتى يكون المستقبل لنا وفي صالحنا |
فإن العودة إلى أصل المصطلح في اللغة العربية، ستقودنا إلى مفهوم مغاير تماما لم تم سره آنفا:
قال بن فارس في معجم مقاييس اللغة:" مادة (عمر) العين والميم والراء، أصلان صحيحان، أحدهما يدل على بقاء وامتداد زمان، والآخر على شيء يعلو من صوت وغيره.. ومنه الباب عِمارةُ الأرض، يقال عَمَرَ الناس الأرض عِمَارةً، وهم يعمُرونها، وهي عامِرةٌ معمُورةٌ، وقولهم عامرة محمول على عمرَت الأرض، والمعمورة من عَمرت، والاسم والمصدر: العُمران، واستعمر الله الناس في الأرض ليعمروها، والباب كله يؤول إلى هذا" وفي لسان العرب أيضا مثل هذا "وأعمره المكان واستعمره فيه جعله يَعْمُرهُ"، وكل معاجم العربية القديمة تذهب إلى هذا المعنى الإيجابي في كلمة الاستعمار" فالعمارة نقيض الخراب" كما قال صاحب المفردات يف غريب القرآن، وعلى هذا المعنى أيضا سار جل المفسرين في تفسير قوله تعالى في سورة هود الآية 61: "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَالأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا".
فالملاحظ أن مصطلح الاستعمار في اللسان العربي، وفي الاستعمال القرآني، يدور مفهومه على معنى النفع والانتفاع في الأرض ومن الأرض؛ بإصلاحها وإعمارها، وبنائها، وغرسها. أما المفهوم الذي ألصق بالمصطلح لاحقا؛ فهو مفهوم يدور على الخراب والإفساد! فكان الأحق بما أطلق عليه مصطلح "استعمار" أن يطلق عليه مصطلح "استخراب" لمواءمة الأخير للمدلول المراد للدلالة عليه، من باب تحري الدقة في الاصطلاح، ومراعاة المناسبة بين اللغوي والاصطلاحي الذي سبقت الإشارة إليها، وأيضا تحريا للدقة في الوصف للحدث التاريخي ومخلفاته على كل الأصعدة.
وأيا كانت الحيثيات التاريخية لسك هذا المصطلح، سواء كان خطأ في الترجمة للمقابل (colonolisation) أم كانت عملية تشويه مفهومي من لدن المتغلب صاحب الفعل التاريخي، حيث قامت تلك القوى بالفعل، فحق لها أن تسميه بما شاءت، فإن الآثار الناجمة عن عملية التزوير المفهومي هذه أكبر من أن يحصيها مقال كهذا! وإن الاستمرار في استعمال هذا المصطلح؛ يعد تكريسا لذلك الفعل التاريخي الذي سميناه "استخرابا" حيث استطاع والحال هذه أن يستخرب العقول بعد أن استخرب الأوطان وسرق الخيرات، واستخرب حتى المفاهيم وزورها، فاستطاع أن يلصق بفعل تدميري وحشي قام به مصطلحا نقيضا له! والأدهى أنه أقنع كل الدول التي استخربت بأنها استعمرت، وهذا ما يوقعنا بين خيارين: فإما أن نقر بأن العيب في اللغة العربية، وأن الدال يمكن يدل على المفهوم ونقيضه، وإما أن الحدث التاريخي كان من الإيجابية بحيث ينسجم مع المصطلح الذي اتفق الناس عليه.

ولضرب المثل يمكن أن نلفت النظر إلى أثرين ناجمين عن عملية التزوير المفهومي -والانخداع بها- هذه:
الأول: الانهزامية المفهومية والتبعية المصطلحية للغرب حتى في أشد المصطلحات حساسية وتأثيرا، وعدم القدرة على سك مصطلح يصف الحدث التاريخي ويتواءم مع متطلبات الوضع المصطلحي، ومنه الإساءة للمصطلح الأصيل في لسان العرب، وبدرجة أكبر الإساءة لمصطلح القرآن عن طريق استعماله في غير محله.
الثاني: التطبيع مع الحدث وتقبله؛ لما يحمله المصطلح من إيحاءات إيجابية، وقدرة تمويهية تقلب الحقائق في ذهن المتلقي، ومنه التهوين من المجازر والبشاعة التي سجلها التاريخ، فقولك مثلا:" كانت المغرب ترزح تحت نير الاستعمار" ليس كقولك: "كانت المغرب تتعرض للاستخراب من طرف فرنسا وإسبانيا"، فالقول الأول فيه شيء من الوداعة والتقبل، والثاني فيه شيء من النفور مما يدفع إلى إعادة قراءة التاريخ، وإعادة قراءة الآخر، ومحاولة إصلاح ما أفسده المستخرب، أي محاولة الاستعمار الحقيقية، عبر فك الارتباط الاقتصادي والتبعية السياسية للمستخرب، أي الاستقلال الحقيقي الذي سيعقبه الاستعمار الحقيقي . فعندما ستصحح المفاهيم سيصبح الاستعمار عملية تتم بعد تحقيق الاستقلال.
إن محاولة تصحيح المفاهيم؛ ليست من الترف الفكري، وإنما هي من مرتكزات النهضة، فلا يمكن تصور نهضة أمة، يعج حقلها المفهومي، بمفاهيم ومصطلحات مزورة ومغلوطة لا تمت الدوال إلى مدلولاتها بصلة، بل بمصطلحات متحيزة ضد أصحابها كما هو حال مصطلح الاستعمار! الذي يمثل قمة التحيز ضد الذات، فقد كان استعمارا لكن ليس لنا ولكن للدول الإمبريالية التي عمرت أوطانها باستخراب أواطننا! ثم إن وضوح العلاقة بين الدال والمدلول من وضوح الرؤية الحضارية، فصناعة المستقبل تبدأ بتصحيح الرؤية المفهومية للماضي؛ وتأسيس مفاهيم للحاضر نابعة من تصور ذاتنا الحضارية ومصالحنا الاستراتيجية حتى يكون المستقبل لنا وفي صالحنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

