ملك الجليل وحلم إنشاء دولة فلسطين

blogs ظاهر الزيداني

"البعنة تستغيث؛ جيش وزير صيدا على البوابات بعد أن عاث الجيش نفسه بالبقاع" كانت ثلاث سنوات قاحلة، أجدبت الأرض الخصبة وهلكت المواشي وغزا الفقر الناس فتعطلوا عن دفع أموال الميري، بلغت الأخبار أن وزير صيدا قد اصطحب جيشا جرارا لتحصيل الأموال المتأخرة على سهول البعنة وعرابة وجدين والدامون وترشيحا والقرى الفلسطينية المجاورة لها، ولما ذاعت أخبار ما فعله الجيش بقرى البقاع من أهوال فيها نهب البيوت واغتصاب النساء وإحراق قرى بأكملها أطلق شيخ البعنة نداء استغاثته.

ولما وصل نداءه إلى الفتى ذو الأربعة عشر ربيعا ظاهر عمر الزيداني ما وسعه إلا ركوب حصانه وتلبية نداء البعنة، دخلها ظاهر وغيره كثير يستنجدون بتحصينات القرية القديمة وما أن وصل حتى لحقه خبر وصول الجيش إلى بوابات البعنة، أغلقت البعنة أبوابها وتمنعت على محاصريها وحفظ ظاهر لنفسه مكانا على أحد الأسوار يرشق المحاصرين بالأسهم وكذلك السباب، لم يتوقف ظاهر عن سب الوزير لم يترك قولا يهين الوزير إلا وقاله على مسامع الوزير وجنوده، حتى أن الوزير وعد بهدية لمن يأتيه برأس ذلك الغلام.

 

وبعد أربعين يوما من الحصار المطبق، قرر شيخ البعنة الاستسلام مقابل الأمان، رجاه ظاهر ألا يستسلم "لا تستسلم يا والدي، لن يسعهم سوى الرحيل الوزير في حاجة للحاق بقوافل الحجاج وسيرحل" لم يستمع إليه الشيخ. رفعت الرايات البيض وفتحت الأبواب وهرب ظاهر محاطا بفرمان الوزير بالقبض عليه وقطع رأسه، لكن ما لم يعلمه أحد حينها أن ظاهر أبدا لا يستسلم وأن الشيخ ظاهر سيواجه كل قرارات قتله بالروح ذاتها وأن رجلا كظاهر لا تأتيه المنية إلا من الظهر.

عمل ظاهر العمر على تحويل المجتمع من مجتمع زراعي بدائي استهلاكي إلى مجتمع منتج مصدر، فازدهرت زراعة القطن وبدأ في تصديره إلى فرنسا مباشرة وأخذ القطن العكاوي شهرة عالمية
عمل ظاهر العمر على تحويل المجتمع من مجتمع زراعي بدائي استهلاكي إلى مجتمع منتج مصدر، فازدهرت زراعة القطن وبدأ في تصديره إلى فرنسا مباشرة وأخذ القطن العكاوي شهرة عالمية
 
فلسطين قبل ظهور ظاهر:

كانت فلسطين مقسمة بين ولايتين تابعتين للدولة العثمانية العلية هما ولاية دمشق وولاية صيدا، وكان لكل قرية متسلما وظيفته جمع مال الميري المحدد مسبقا بنصاب معين وتسليمه إلى الوالي ولم يكن متسلمو القرى يعبأون بأكثر من جمع الضرائب للدولة وازدياد أنفسهم وعائلاتهم ثراء وإرضاء الوالي بالمزيد من النقود لضمان بقاءهم كمتسلمين لبلادهم.

وكان الوالي مطلق اليد على ولايته، حتى أن الوالي إذا قدم وكان من القتلة جمع أعيان البلد وأعمل القتل فيهم أو نفاهم وفرض المال على الناس. وكانت الدولة تتقاسم أقوات العباد مع عرب الصقر الذين اختصوا بقطع الطرق وسلب الناس إن لم يحصلوا منهم إتاوتهم المفروضة.

ظاهر العمر ثائرا للحق:

حين فر ظاهر من البعنة علم عمر الزيداني والد ظاهر بأن الوزير لن يهدأ إلا بقطع رأس ظاهر فبدأ والده في البحث عن ولده وهو حاسم لقراره أن يفر بابنه تاركا كل شيء وراءه حتى البلد المعين عليها مستلما وفجأة في الوقت الذى غزا فيه القلق قلب عمر الزيداني على ولده وصله خبر لم يكن في الحسبان وهو خبر عزل الوزير وحين وصل ظاهر إلى طبرية أستقبله أهلها بالغناء:

راح الظالم والظالم دايما بيروح 
مهما اتجنى علينا وملانا جروح
ما بننسى يوم البعنة، من ظلمه نجوح
والدم الطاهر سايل على لبواب
راح الظالم يا ربي ولا تعيده 
وزيده يا رب ذل وظلك زيده 
حرم قلبي من قلبي وفرحة عيده
يوم رفرف ع البعنة زي الغراب

لما اشتهر ظاهر بعدله في أهل طبرية جاء إليه سكان قلعة جدين يطلبون منه طرد متسلمهم وتسلمه للقلعة ورفع الظلم عنهم فلبى نداءهم وسيطر على القلعة

كان ظاهر هو الابن الأصغر لعمر الزيداني متسلم مدينة طبرية وحين مات أبوه أصبح ظاهر ابن الستة عشرة عاما متسلم المدينة الجديد؛ فقد هرب إخوته من تحمل ديون أبيهم وحذا ظاهر حذو أبيه فالتزم بدفع مال الميري دون غيره ولم يأخذ من الناس ما لا يحتملون وفي يوم وبينما يتجول ظاهر بطبرية سمع صوت فتاة تستغيث فهب لنجدتها فوجد رجلا يريد اغتصابها فهجم عليه ظاهر وقتله واتفق مع الفتاة أن تكتم عنه ما فعل ودفن الرجل وعاد إلى أخيه سعد ليخبره بما فعل فرأى أن أهل طبرية إن علموا بما فعل فلن يقبلوا أبدا حكم ظاهر أو حكم الزيادنة وأنه لا مهرب لهم إلا بيع أراضيهم والرحيل عن بلاد كانت لهم فرحل ظاهر وإخوته إلى بلاد صفد إلى قرية عرابة بالتحديد متخلين عن سيادتهم ولكن لم يكن بحسبانهم أبدا أن ظاهر سيضحي ملكا للجليل.

وفي عرابة بعد أن قبل ظاهر بكونه مجرد تاجر يروح ويجئ إلى دمشق بحثا عن رزقه كان دمه الحر ما زال يجري في عروقه ما جعله يمسك بجابي ضرائب عرابة لما أراد ظلم أهلها وأن يأخذ منهم فوق طاقته فأغلظ له ظاهر القول وحبسه وكتب إلى والي صيدا بما حدث من جابي الضرائب طالبا تعينه على عرابة كمتسلم وقرر الذهاب إلى الوالي وما أن وصل خطاب ظاهر وما ان استشاط الوزير غضبا حتى رأي الحصان الذي وقع في حبه وأرسل في طلبه أكثر من مرة وقوبل طلبه بالرفض مرة تلو أخرى أمامه كهدية من ظاهر، كان حصانا أزرقا ليس له مثيل يمتلكه عرب الصقر ويرفضون بيعه حتى أقنعهم ظاهر بحاجته إلى الحصان كي يضمن تعينه كمتسلم. وكان أول طلب يطلبه ظاهر من الوالي ألا يدخل عسكر الدرك عرابة ولا يقربوها ولما لبي طلبه ذاع صيت علاقته بالوالي وصار الكل يخشونه وحل أمن عظيم على أهل عرابة للمرة الأولى.

ظاهر حاكم من قلب الشعب:

كان دأب ظاهر في البلاد التي يبسط نفوذه عليها أن يدخل البلد وتكون تحت إمرته ثم يطلب من الوالي تعيينه عليها فحين فتح طبرية جاءه رجل يستغيث من ظلم الشاويش متسلم طبرية له وأنه أخذ منه فوق ما عليه لعلمه أنه غني وحين فر منه قرر قتله فراح يستغيث بظاهر فأغاثه ودخل طبرية فهرب الشاويش فأرسل في طلبه وقبض عليه وكتب إلى الوالي يخبره بما كان من ظلمه وبطشه وأنه أنقذه من قتل أهل طبرية له وأخبره أن تلك البلاد لا تحكم إلا بالعدل وطلب تعينه على البلدة.

حصن ظاهر العمر طبرية وأقام عليها الأسوار والأبراج فجعلها منيعة وأقام ما تهدم من أسوار عكا كما كلف ظاهر أحمد الدنكزلي بتشكيل جيش من أهالي البلاد التابعة لهم وتدريبهم على كافة أمور القتال
حصن ظاهر العمر طبرية وأقام عليها الأسوار والأبراج فجعلها منيعة وأقام ما تهدم من أسوار عكا كما كلف ظاهر أحمد الدنكزلي بتشكيل جيش من أهالي البلاد التابعة لهم وتدريبهم على كافة أمور القتال
 

ولما اشتهر ظاهر بعدله في أهل طبرية جاء إليه سكان قلعة جدين يطلبون منه طرد متسلمهم وتسلمه للقلعة ورفع الظلم عنهم فلبى نداءهم وسيطر على القلعة، أما صفد فقد صاهر ظاهر متسلمها فتنازل له عنها وهكذا بدأ ملك ظاهر يتسع ويتشعب فضم أغلبية مدن الساحل الفلسطيني حتى وصل إلى عكا وعم الرخاء أرجاء البلاد التي يحكمها؛ فأما الضرائب فأصبح يأخذ الخمس بعد أن كان يؤخذ الربع وعمل على تحويل المجتمع من مجتمع زراعي بدائي استهلاكي إلى مجتمع منتج مصدر، فازدهرت زراعة القطن وبدأ في تصديره إلى فرنسا مباشرة وأخذ القطن العكاوي شهرة عالمية وأصبح هو من يحدد سعره حتى أن السوق الفرنسي اعتمد على قطن عكا اعتمادا كليا وعمل على تحقيق اكتفاء ذاتي في كل المدن التابعة له.

وأما الأمان فقد اشترط على عرب الصقر أن يتوقفوا عن الغزو مقابل أن يدفع لهم حصتهم كما يدفع للدولة حصتها وعندما خالفوا اتفاقهم معه راح يحاربهم ويغزوهم ويرجعهم إلى إمرته باللين تارة وبالشدة تارة حتى بلغ الأمان في عهده مبلغا لم يبلغه من قبل لدرجة أنه أراد أن يختبر ذلك فاختار فتاة جميلة وألبسها الحلي وحتى كادت تغطيها وأمرها أن تطوف البلاد كلها وحيدة على حصانها لينظر هل يتعرض لها أحد بسوء وأمر جنوده بمراقبتها من بعيد، فلم يتعرض لها سوى شخصين فأتي بها فأعدما ليكونا جزاء لمن يتعرض لأبناء السبيل في أرضه.

 
وأما تحصين المدن فقد حصن طبرية وأقام عليها الأسوار والأبراج فجعلها منيعة وأقام ما تهدم من أسوار عكا كما كلف ظاهر أحمد الدنكزلي وهو شاب محارب أعجب به ظاهر بتشكيل جيش من أهالي البلاد التابعة لهم وتدريبهم على كافة أمور القتال وبدأ في تسليح جيشه حتى أنه أقام المدافع على أسوار المدن التابعة له وقايض فرنسا على توريد الأسلحة له في مقابل القطن الذي يصدره لها.

واستمر حكم ظاهر ما يربو على الخمسين عاما توحدت خلالها مدن فلسطين فضم يافا وحيفا إلى الناصرة والجليل وعكا وطبرية وغيرها فكان بذلك أول حاكم يوحد الأراضي الفلسطينية تحت إمرته وتكمن أهمية دراسة تاريخ ظاهر وغيره من الأبطال في دحر الدعاوى القائلة بأن أرض فلسطين لطالما رزخت تحت وطأة الاحتلال وأن الأرض جاءها ورحل عنها الكثيرون فبتاريخ ظاهر يثبت أن للأرض مستحقين ناضلوا للأرض ومن أجلها وطمحوا في حكم مستقل حتى وصلوا إليه على مدار خمسين عاما.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان