"مكر الله".. كيف نفهمه؟

blogs قرآن

عرفت من صديقي الصيدلاني قبل سنوات أن لكل منتج دوائي اسم علمي محدد، وعدد من الأسماء التجارية المختلفة على الأرجح. فالبندول والبرمول مثلا هي أسماء تجارية لخافض الحرارة المسمى علميا "برستامول". تماما مثلما أن "كنت" و"روثمان" مجرد أسماء تجارية لمنتج واحد هو سيجارة التبغ. خطر هذا المثال ببالي وأنا أحاول تبسيط مفهوم المكر الإلهي، كما أتصوره، في حوار مع صديق آخر، يفضل استبعاد هذه المصطلحات الميتافيزيقية من مجال الحديث في الشأن السياسي وقضايا المعرفة. بوصفها، في أحسن الأحوال، عبارات غامضة ليس لها رصيد علمي أو منطقي يمكن الإشارة إليه أو اختباره.

 

والحقيقة أن عبارات مثل: مكر الله، والمشيئة الإلهية، والأقدار، وما شابه ذلك من المصطلحات الدينية، هي بالنسبة لمن يتبنى المذهب المادي في تفسير الوجود، مجرد عبارات بالونية لا تحمل شيئا سوى الهواء! وهذا منطق يتسق مع مبدأ التفسير المادي للوجود. تصح نتائجه إذا صحت مقدماته وطرائق استدلاله. لكن أصحاب هذا المنطق يريدون القول إن القضية ليست اتساق المنطق من عدمه، فقد تتسق هذه المصطلحات الدينية مع نسقها الإيماني الذي يبررها أيضاً، لكن أنى لها أن تكون مصطلحات علمية! وما لم تكن من العلم فهي من الوهم والحشو والكلام الفارغ، كما تقول الوضعية المنطقية قبل وفاتها!

 

الوصول لغاية منشودة لا يتوقف على الأخذ بالسنن المعلومة وحدها. فقد تأتي حركة الحياة وتفاعلاتها بأمور لم تكن بالحسبان ولا مخطط لها. وهذه الأمور الطارئة قد تسهل الوصول للغاية أو تعطله

بالطبع هناك الكثير من النقاط التي تحتاج إلى نقاش في هذا المنطق المادي، وفي مقدمتها تعريف مفهوم العلم نفسه. وصورة العالم في النظريتين المادية والدينية. وأيهما أكثر انسجاماً مع فلسفة العلم في عصر النسبية وما بعدها. لكن لأن حدود هذه التدوينة لا تتسع للحديث في مقدمات طويلة ومركبة كهذه، فسأكتفي بتقريب مفهوم المكر الإلهي كما أتصوره، وفقا للغة العلمية التي يفضلها صديقي. وبالعودة إلى مثال البرستامول والتبغ، يمكننا القول إن عبارة مكر الله هي التسمية الدينية لمفهوم مادي لم يتبلور بعد في مصطلح علمي، لكنه واضح تماماً للجميع. فجميع العاقلين بلا استثناء يدركون أن الحياة تجري كالنهر وفق سنن وقوانين طبيعية من المحال الإحاطة بها أو السيطرة عليها.

 

الجميع يدرك مثلا أن للنجاح سنناً كما للفشل. لكنهم أيضا يعلمون أن الوصول إلى الغاية المنشودة لا يتوقف على الأخذ بالسنن المعلومة وحدها. فقد تأتي حركة الحياة وتفاعلاتها بأمور لم تكن في الحسبان ولا مخططاً لها. وأن هذه الأمور الطارئة قد تسهل الوصول إلى الغاية أو تعطلها. وهذا يعني أن حجم "العوامل" في الحياة كبير إلى حد استحالة الإحاطة به. وأفضل من يشرح هذه الحقيقة هو نظرية "جناح الفراشة"، أو الفوضى الخلاقة، أو الشواش. وخلاصتها تقول إن أحداثاً متناهية الصغر، لا يؤبه لها، قد تؤدي بعد فترة من الزمن إلى أحداث كبيرة جدا، وفق سلسلة من التداعيات المتوالية. فرفرفة فراشة في الصين، على سبيل المثال، قد تحدث بعد مدة من الزمن فيضاناً كبيراً في أمريكا. وصفعة في تونس قد تحدث سلسلة ثورات شعبية في أنحاء الوطن العربي، وتغير خارطة الشرق الأوسط!

 

حركة الحياة وفواعلها بهذه الصورة يستحيل تقنينها، وتحويلها إلى موضوع للعلم، بالمفهوم الإمبريقي لكلمة علم، لاستحالة ملاحظتها ومراقبتها وتنظيمها. وهنا يتدخل الدين، باعتباره صوت الراوي العليم، بلغة النقد الأدبي، ليقول كلمته. وسنلاحظ أن كلمة الدين في هذا الشأن تبدو منسجمة تماما مع منطق التاريخ والعلم. فالقرآن يقول إن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. وأن هذه سنة من سنن الله الثابتة. وعبارة سنن الله هي التسمية الدينية لما يسمى في المنظور المادي بالقوانين الطبيعية أو قوانين التاريخ والاجتماع الإنساني: "اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيْقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بَأَهْلِه فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا". فاطر: 43.

 

السير في الصراط المستقيم هو سير في طريق البناء والسلامة، والسير في الطرق المعوجة هو سير في طريق الهدم. أما كيف يحدث ذلك؟ فهذا من شأنك في التأمل والتدبر
السير في الصراط المستقيم هو سير في طريق البناء والسلامة، والسير في الطرق المعوجة هو سير في طريق الهدم. أما كيف يحدث ذلك؟ فهذا من شأنك في التأمل والتدبر
 

القرآن هنا يقدم حجة قابلة للدحض، تقول إن التدبير السيء يرتد على أهله. لكن كيف يحدث ذلك؟ هذا سؤال تقتضي إجابته أن يطلعك العليم على تفاصيل هائلة ودقيقة ربما تأخذ في الزمن الطبيعي سنوات طويلة من التفاعل المعقد، فهل أنت بحاجة فعلا للاطلاع على هذا الـ "كروكي" الضخم؟ وهل أنت قادر على استيعاب كل تفاعلات رفرفة الفراشة في الصين من اللحظة الأولى حتى وقوع الفيضان في أمريكا؟! وهل الإله ملزم باطلاعك على أسرار عمله؟! أظن أن العدل الإلهي يقتضي فقط أن يطلعك على الخطوط العريضة التي تعينك على أداء مهمتك في الحياة.

 

ومن ذلك أن يقول لك إن التدبير الماكر سيرتد عليك يوماً ما، ولن تنجو من آثاره. لأنك في الوقت الذي تمكر فيه بالسوء فإنما تحاول السير وفقا لخطة الهدم لا وفقا لخطة البناء، وكلاهما خطتان إلهيتان بني عليهما العالم نفسه. فالسير في الصراط المستقيم هو سير في طريق البناء والسلامة، والسير في الطرق المعوجة هو سير في طريق الهدم. أما كيف يحدث ذلك؟ فهذا من شأنك في التأمل والتدبر.

 

الحياة وفق هذا التصور الإسلامي تبدو وكأنها منظومة قوانين تفاعلية، صممت بحيث تساعدك إذا سبحت مع تيارها الطبيعي، وتغالبك إذا سبحت عكس هذا التيار. هذه المغالبة هي مكر الله باللغة الدينية. ونتيجتها النهائية أشبه بالنتيجة المتوقعة لسياقة سيارة في الاتجاه المعاكس لخط السير. فمهما كان السائق "الماكر" ماهراً، وقادراً على تجاوز الحوادث، فإنه لن يستطيع الخروج بسلام من خط سير طويل مزدحم بالعربات المسرعة. والمسافة التي يقطعها الشرير في تحقيق أهدافه قبل أن يحيق به مكره، هي المسافة التي يقطعها السائق الماهر في خط سير بهذه المواصفات، قبل أن يحل به حادث مروري مؤسف. وما يسميه القرآن مكر الله يمكنك أن تطلق عليه ما شئت من التسميات الوضعية، على طريقة شركات السجائر والأدوية، لكنك في النهاية مضطر للاعتراف بوجوده، مستعيناً في فهمه بالنسبية مرة، وبالاحتمالات الرياضية مرة أخرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان