في يوم 26 ديسمبر 2012، نشر موقع الوطن تفاصيل خطة إسرائيلية أمريكية لإقامة منطقة عازلة في المنطقة الحدودية في سيناء لتعميق الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي، ونقل الموقع عن مصادر لم يسمها أخبار عن دخول ضباط من أصول إسرائيلية في صفوف القوات الأمريكية المشاركة في معسكر قوات حفظ السلام في سيناء.
هؤلاء الضباط بمشاركة مجموعة من الخبراء الأمريكيين مشطوا المنطقة الحدودية، ووضعوا خطة لعزل المنطقة وإخلاء وترحيل سكانها ووضع أجهزة حديثة في هذه المنطقة تدار من داخل تل أبيب لمنع أي خطر يهدد أمن إسرائيل، مع استثناء أجزاء من أراضي مصر الحدودية مع قطاع غزة والتي تنوي إسرائيل وأمريكا ضمها للقطاع لإقامة دولة فلسطينية عليها، موضحة بأن أهم نقطة في تلك الخطة هي تهجير أهالي سيناء.
وهذا بالضبط ما تم تنفيذه في أكتوبر عام 2014 بعد شهور قليلة من تولي عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، حيث تم إصدار قرار بإخلاء الشريط الحدودي وترحيل السكان وهدم بيوتهم، والذي لم يكن القرار الأخير الذي يوافق الخطة الإسرائيلية للاستيلاء على سيناء كوسيلة للقضاء على القضية الفلسطينية.

قبيل هذا الخبر بعدة شهور وقعت مذبحة رفح الأولى والتي راح ضحيتها 16 ضابطاً وجندياً من شهداء مصر الأبرار حيث كان السيسي يشغل وقتها منصب مدير جهاز المخابرات الحربية والاستطلاع، ورغم القرارات التي اتخذها محمد مرسي رئيس الجمهورية حينها تجاه الكثير من القيادات العسكرية لمسؤوليتهم عن الحادث تم تصعيد عبد الفتاح السيسي ليشغل منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، على الرغم من أنه كان هو الأخر مسؤولاً مباشراً عن التقصير الأمني ووقع ذلك الحادث.
وفور توليه الوزارة اتخذت القوات المسلحة طريقاً جديداً في التعامل مع الإرهاب في سيناء ومع أهل سيناء أنفسهم، وأصبح الوضع هناك أشبه بالحرب الدائمة التي لم ينقطع سيل الدماء فيها، ودفع المئات من أهل سيناء ثمن ذلك قتلاً وذبحاً وقصفاً لبيوتهم وتهجيراً وكأن السيناريو يسير تماماً وفق الخطة الموضوعة.
قبل كل تلك الأحداث، وفي يناير من عام 2010 نشرت صحيفة المصري اليوم تفاصيل خطة إسرائيلية نجحت دولة الاحتلال في إقناع الحليف الأمريكي بها، تقوم تلك الخطة على استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية باستمرار سياسة الاستيطان في الضفة الغربية وتقنين وضع المستوطنات القائمة مع تعويض الفلسطينيين بمساحات شاسعة من الأراضي المصرية في سيناء لإنشاء دولة لهم، وهي الخطة التي طُرحت أول مرة في مؤتمر هرتسيليا الصهيوني عام 2002 وتكررت أعوام 2003 و2004 و2008، والتي تبلورت تحت اسم خطة "جيورا إيلاند" والتي كانت أول خطواتها الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة عام 2005.
وأشارت الصحيفة إلى أن مبارك رفض هذه الخطة، وهو ما أكده المخلوع نفسه في تسريب صوتي أوضح فيه أن نتنياهو عرض عليه الخطة قبل أشهر من ثورة يناير لكنه أبدى رفضه القاطع التخلي عن أي جزء من الأرض، لذا ووفق ما تم نشره فإن إسرائيل كانت تنتظر خليفة مبارك الذي سيقبل بهذا الحل، وهو من جاء بعد ذلك بالفعل.
وفي دراسة نشرتها إذاعة "ريشت بيت" الصهيونية، يقول الباحث الاستراتيجي والعضو الدائم في لجنة تنسيق مؤتمر هرتسيليا "رافي يلويان" إن السيسي قام بتنفيذ بعض من أهم خطوات الخطة الموضوعة من دولة الاحتلال للقضاء على القضية الفلسطينية مجانًا ودون أن يطلب من إسرائيل الالتزامات والتعهدات التي عُرضت على مبارك والذي يُعتقد أنه رفضها لخوفه من ثورة في سيناء بالرغم من تقديم دولة الاحتلال ضمانات بمساعدته حال وقوع ذلك، إلا أن الأمر كان مختلفا مع السيسي الذي بدأ بالتنفيذ بمنتهى الحماس، لذا فيُعتبر السيسي أهم ركن تستند إليه إسرائيل في المنطقة، وفق كلام الباحث الصهيوني.

خلال سنوات ماضية اعتبر الكثير من السياسيين والمحللين في مصر تلك الخطة درباً من نظرية المؤامرة وأوهاماً يسوقها المعارضين، كما أن الغالبية العُظمى من المصريين كانوا على قناعة تامة بأن الجيش المصري لن يسمح أبداً بالتفريط في شبر من أرض مصر، وهو الكلام الذي ردده قادة الجيش إبان حكم جماعة الإخوان، إلا أن ذلك ما حدث عكسه تماماً مع قضية تيران وصنافير، تلك الجُزر المصرية بحكم أعلى محكمة مصرية والتي تنازل عنها عبد الفتاح السيسي وسط قادة الجيش والمخابرات ثم مشاركة وزير الدفاع شخصياً في الطعن على حكم مصرية الجُزر.
الغريب في الأمر أن الغالبية العُظمى منّا لا نزال نسير شبه مسحورين غير مصدقين أعيننا وآذاننا، فالخطة الصهيونية للقضاء على القضية الفلسطينية وتخلي مصر عن أراضيها لصالح إسرائيلي كادت أن تكتمل ولم تعُد حبراً على ورق يتم تداوله في المؤتمرات، وإنما صارت واقعاً عرضه السيسي على الرئيس الفلسطيني العام الماضي وأعاد عرضها ولي العهد السعودي عليه مرة أخرى منذ أسابيع وصرحت بها علانية الوزير الإسرائيلية جيلا حملئيل قبيل قدومها للقاهرة بأيام، وهي التي كان من مراحلها التخلي عن تيران وصنافير وتهجير أهالي سيناء وأخيراً الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال بقرار الحليف الأمريكي ترمب، ونحن لا نزال غير مصدقين.
خلال كل تلك السنوات الماضية كانت التحركات الإسرائيلية تجري على قدم وساق لإنهاء القضية الفلسطينية والاستيلاء على كامل أرضها، والغريب أن كل مرحلة فيها كانت معلنة ومكشوفة أمام العالم، وكنا نُكذب أسماعنا وأبصارنا وننساق أحياناً وراء التخويف من نظريات المؤامرة والأوهام المُتخيلة، وننخدع أحياناً أخرى بما كنا نحسبه ثوابت ومبادئ لبعض المؤسسات، وأخذت دولة الاحتلال تتقدم يوماً بعد يوم ونحن نخدع أنفسنا تارة ويخدعنا الأخرون تارة أخرى، فمتى ندرك بأننا قد ضعنا تماماً وغرقنا في مستنقع الخيانة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

