هو الشعور ذاته في كل مرة، تجتمع فيه كل خلايا جسدي تعضد بعضها بعضاً علّها تصدّ ذاك القرف والغضب الذي يتسلل إليها وهي تقف وِقفةً تأكلُ أطرافها، محاولةً التماسك، تستجمع نفسها وتهيّئها لكل سؤالٍ بليدٍ قادم من خلف ذاك الشباك اللعين.
"هذه المرة الرابعة التي تأتين فيها رغم أننا لم نسمح لك بالدخول!"، تقول بتهكم وترفع حدته متسائلة باستعلاء: "لماذا تصرّين إذن على زيارة (إسرائيل)؟"، "لرؤية أقاربي"، أجيبها ببرود،" أولئك المتجذرين في الأرض أصلا، أولئك الوطن الذين كانوا منك قبلا".
يأتيكَ الختمُ الأحمر كالعادة، ذاك الذي محال أن تتصالح وتتآلف معه وتشعر حياله بالبرود، تتأمله بقسوة، تغلق جوازك، تتبعُ ذاك الجندي الصهيوني الذي يأمرك بلحاقه تُتَمتم ومعك كل تلك الخلايا النافرة في ساحة جسدك: "راجعين وغصب عنكم.. نحنا هون حاضرين"، وتتابع معهم إجراءاتهم الأمنية التي تعزز ضعفهم وجبنهم، قبل أن يعيدوك من حيث أتيت محمّلا هذه المرة بدفقات من الإصرار والتصميم لا الذل والانكساربأنّ وعده كان مفعولا. لكن كيف؟

مشهدٌ يتكرر مع الكثيرين منا ممن يطمحون لمعانقة تراب فلسطين -الوطن والقضية- ويحول بينهم وبين ما يتوقون إليه ذاك الاحتلال اللعين ومن مكّن له ووسّع. مشهدٌ تعاود أطيافه بالحضور بشدة مع كل ما قد يمدّد للاحتلال عميقًا في فلسطين، والعرب مكتفين بالقول: "إن النصر وعدٌ بحق السماء".
نعم من المؤكد أنّ وقع خطاب ترمب وبعد تلك الانكسارات والجروح التي أُثخنت بها بلادنا العربية في قلوبنا، كان وقعه أليما، وأليماً جدا، فما زالت قلوبنا حية رغم تهشمها بأحوال منطقتنا العربية والإسلامية وعلى وجه الخصوص خلال العقد الأخير، بمقدار ما مرّ عليها من مشاهد الدم وقتل الساسة لشعوبهم والأخ لأخيه، وبمقدار ما بنته فينا السياسات العامة والإعلامية منها من جلدٍ للذات وعجز عن الفعل وغياب الوعي.
جاء مشهدُ ترمب بخطابه والطريقة التي ظهر فيها عبر شاشات التلفزة موقعًا على وعده المشؤوم من سلالة وعد بلفور قبله منذ مئة عام، مشهدَ استفزازٍ علني منه لأكثر من مليار إنسان على وجه الأرض ممن يُؤْمِنون بالقدس عقيدة و يُؤْمِنون بالقدس عاصمة عربيةً أبدية لفلسطين، لكنه جاء ليحي قضية القدس من جديد ويشعلها هذه المرة بلسانه وما كسبت يديه ثورة لن تركن، لماذا؟
| إننا أمام جمهور بات يميز حقًا بين من يدغدغ عواطفه بالخطب الرنانة والخطوط الحمر وبين العمل الجدي المقاوم. ويعلم أن التحرير لا يُستزل بصلاةٍ فقط، وإنما بالعلم والعمل |
لأنّنا أمام جمهور يدرك أنّ العلاقة الحميمية بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية ليست حديثة، كما يدرك أنّ نقل السفارة من يافا المحتلة -المُقام عليها تل أبيب- إلى شرق القدس المحتل، في الميزان واحد طالما أن فلسطين تقبع تحت الاحتلال وأنه لا عاصمة للمحتل فيها، فهو جمهور لا يؤمن ببدعة "القدس الغربية" و "القدس الشرقية" ولم يتسرب هذان الشطران ككيانين منفصلين إلى عقله الباطن. لأننا أمام جمهور بات يدرك حقًا أنه لا وجود لما يسمى بأوسلو وحل الدولتين، وأنّ من مازال يلوّح بها ويعمل تحت مظلتها فهو والمحتل سواء.
لأننا أمام جمهور بات يميز حقًا بين من يدغدغ عواطفه بالخطب الرنانة والخطوط الحمر وبين العمل الجدي المقاوم. لأننا أمام جمهور يعلم أن التحرير لا يُستزل بصلاةٍ فقط، وإنما بالعلم والعمل، وأنّ الفتح الصلاحي كما غيره من انتصارات التاريخ تؤكد أن النصر لا يأتي دون أخذ الأسباب الدنيوية ولو أمضى أحدهم العمر في المحراب. لأننا أمام جمهور يدرك أن القدس هي البوصلة، وأنه مهما مزقوا أوصال الجسد وفرقوه فإن القدس تجمعنا على اختلاف دياناتنا وأجناسنا وتوجهاتنا، فهي قضية احتلالٍ إحلالي تكتسب خصوصية بأبعادها الإنسانية والدينية والتاريخية.
لأننا أمام جمهور يؤمن ب "جماعية الشعوب" إن صح التعبير، وينبذ كل الأصوات الدخيلة التي تحاول أن تشتت ولا تجمّع، فتحرّض صوت شعبٍ على أخيه، بل يدرك أن الفرق بيّنٌ بين الشعب والنظام، وأن انتقاد وبغض الأنظمة العميلة لا يعني بُغض شعوبها التي تثبت دومًا أنها قريبة جامعة.
وعليه فإنه رغم كل تلك الغصة والاحتقان سنتفاءل ونقاوم ولعيون القدس سنفجّر. سنفجّر ردود الفعل هذه المرة لنكون نحنُ بقضيتنا ومطالبنا ومقاومتنا الفعلَ بذاته. سنفجّر الفعل الإبداعي في المقاومة كلٌّ من مجاله ومنصته، دون تحقير أو استهانة بدور أي منصة، في العالم الواقعي والإلكتروني. سنفجّر وعد ترمب بمقاومةٍ فعلية بعيدة المدى وليس ببعض الاحتجاجات كما ظنّ. سنفجّر الجهلَ بالعمل الإيجابي طويل المدى ونشر الوعي والتثقيف بالقضية، وخاصة لتلك الأجيال التي غُيب عنها العمل النضالي والمفاهيم الأساسية للقضية الفلسطينية، إلى جانب تصحيح المفاهيم المتعلقة بها.

سنفجّر سكون الشوارع بالاحتجاجات والاعتصامات والمظاهرات، مجددين في الخطاب والمكان، فلا نركن إلى ذات تلك الهتافات المكرورة والتي تصبغ القضية طيفًا واحدا بل سنوسّع في الكلمة والمكان إلى مراكز الوجود الأمريكي في دولنا -السفارات الأميركية- والمؤسسات التابعة لها من مراكز ثقافية ومطاعم، ومثلها ما يتبع للكيان الصهيوني ويمثّل له. سنفجّر الاقتصاد الأمريكي الصهيوني بحملات مقاطعة منظمة مدروسة هدفها تحقيق أكبر عدد من الخسائر بالاستهداف الشعبي للمنتجات والبضائع والمطاعم الأميركية والصهيونية.
سنفجّر العلاقات الرسمية التي تربط دولنا بعلاقات أميركية وصهيونية متبادلة بالضغط الشعبي على إسقاط معاهدات السلام مع الكيان المحتل وما نجم عنها من اتفاقيات، إلى جانب الضغط على الأنظمة لإغلاق السفارات الأميركية والإسرائيلية وقطع العلاقات، وتفعيل الأوراق التي تحملها بعض الأنظمة كالنظام الأردني من حق الوصاية على المقدسات في مدينة القدس. سنفجّر كل ما قد يفرقنا من لون علم أو هتاف أو جنسية إلى بناء كل ما يمكن أن يجمعنا نحو القدس. سنفجّر كل صور الاتكال على الشعوب دون القيادات، لأننا نعي بأن الشعوب تعرف ما تريد لمّا تريد وقد أثبتت ذلك ويزيد، والمطلوب الآن قائد رشيد يطبّق ما يقول واقعا ويحقّق، يصوّب بندقيته وطائرات جيشه على عدوه لا على ابن بلده أو أشقائه، يقاوم من أجل الإنسان لا من أجل الفصيل وما يوازيه.
نعم، لعيون القدس نفجّر العاطفة والعلم والعمل، وللقدس غدًا كما دومًا سنثور، سنرمي الحجر، ونطلق البندقية، سنبيع حتى يشتري، لكن هذه المرة بالإفادة مما مضى ومراجعة له وحسن تخطيط للقادم، حتى تبقى القدس عاصمة فلسطين الأبدية، ويزول الاحتلال ومن رفعه ومكّن له إلى الهاوية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

