القدس.. الهوية الصهيونية كنزع لقداسة المكان

blogs القدس

الهوية المقدسية بصفة عامة وعلى مدار التاريخ القديم والحديث جزء من الهوية الفلسطينية، والهوية الفلسطينية جزء من الهوية الشامية، ولا يعني الحديث عن الهوية المقدسية تفتيت الهوية الفلسطينية أو تفكيكها، وإنما الغرض من ذلك إبراز تقنيات الاستعمار في تفكيك الهوية التاريخية لفلسطين ونزع قداسة وتاريخ المكان من أجل إعادة تعريفه وامتلاكه واستعماره ثقافيًا وسياسيًا وعسكريًا على مساحة مكانية لها خصوصية كبيرة مثل مدينة القدس.

 

تتأسس الأيديولوجية الاستعمارية الصهيونية في فلسطين على كوجيتو استعماري خاص "أنا استعمر إذا أنا موجود". فالاستعمار الإسرائيلي لفلسطين استعمار استيطاني إحلالي، يقوم على ادعاء وتبني رواية مناقضة للتاريخ وإحلال هوية مُتخيّلة ومُقوضة للهوية الأصلية للسكان الفلسطينيين، فعمليتيّ الادعاء والإحلال يُمثلان صُلب الهندسة الاستعمارية الصهيونية.

 

وللتغلب على السردية التاريخية المؤسسة للهوية الفلسطينية عامة والمقدسية بصفة خاصة حشدت وشحذت الحركة الصهيونية قواها للانتصار على الهوية الفلسطينية بسردياتها الكبرى (الأرض، والإنسان، والتاريخ) عبر عملية استعمارية فاشية استهدفت أركان الهوية الفلسطينية التاريخية ضمن عمل استعماري مُخطط ومُمنهج.

 

القدس في خيال الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني مجال وفضاء ومسرح إسرائيلي بامتياز وينسحب هذا الادعاء على باقي المدن والفضاءات والجغرافيات الفلسطينية
القدس في خيال الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني مجال وفضاء ومسرح إسرائيلي بامتياز وينسحب هذا الادعاء على باقي المدن والفضاءات والجغرافيات الفلسطينية
 

تحيل قراءة النصوص التي ساهمت في صياغة الوعي والمخيال الهوياتي الصهيوني بخصوص القدس وفلسطين. أن فلسطين فضاء بدون سكان أصليين واستمر الإنكار والإقصاء للآخر (الفلسطيني) حتى بعد أن عثر عليه في الواقع.

 

القدس في خيال الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني مجال وفضاء ومسرح إسرائيلي بامتياز وينسحب هذا الادعاء على باقي المدن والفضاءات والجغرافيات الفلسطينية. حيث شرعت الحركة الاستعمارية الصهيونية بعد عدوان عام 1948 في تأزيم المخيّال الفلسطيني تجاه الفضاء والذاكرة الجمعية الفلسطينية؛ من خلال عمليات التسمية والتنقيب والحجب والتزوير للفضاء العام المقدسي والفلسطيني أيضاً، لوضع السكان المقدسيين والزوار وسائر البشر المتأملين لدلالات مدينة القدس ضمن شرط ثقافي استثنائي، يحيل أن الهوية الإسرائيلية الصهيونية الاستعمارية المغلفة بنفحة دينية يهودية توراتية، بأنها هوية أصيلة في هذا التاريخ والفضاء.

 

ويعيد الباحث الفلسطيني عبد الرحيم الشيخ بداية فعل الصهينة والعبرنة لفلسطين إلى سنة 1870 قبل ظهور الصهيونية السياسية، حيث أصبح علم الآثار رياضة وطنية بالنسبة للمهاجرين اليهود إلى فلسطين وهو ما فسر تشدين ما سمي بـ "صندوق استكشاف فلسطين" الذي قام بعملية مسح للبلاد بين 1871_ 1877، وجمع أسماء المواقع القديمة والخرائب والقرى، وأعدّ قوائم للأسماء تحوي أكثر من 10 آلاف اسم نقلت بحروف إنجليزية.

 

انتهجت الآلة الصهيونية العبرية الإسرائيلية منطق الإبادات الثقافية في القدس حيث لم تسلم القدس من سُعار الآلة الاستعمارية العسكرية والإعلامية والبحثية والسياسية

بعد ذلك طبع الصندوق خارطة لفلسطين الغربية على أربعة أشكال، الأولى: عليها الأسماء العربية الحديثة، الثانية، عليها أسماء العهد القديم، الثالثة، عليها أسماء العهد الجديد، الرابعة: عليها أسماء مصادر المياه وتوزيعها، ومنذ تلك اللحظة تكثف الهوس بتلك الرياضة بعد صهينة الهجرة إلى فلسطين سنة 1905، إذ أصبح علم الآثار هو المبدأ السائد في عملية تحويل فلسطين إلى إسرائيل.

                                        

وعن طريق استجلاب الأسماء العبرية وتوزيعها على المشهد الفلسطيني، وإعادة كتابة التاريخ، تاريخ اليهود في المكان الفلسطيني بناء على الفكرة الصهيونية. انتهجت الآلة الصهيونية العبرية الإسرائيلية منطق الإبادات الثقافية في القدس حيث لم تسلم القدس من سُعار الآلة الاستعمارية العسكرية والإعلامية والبحثية والسياسية، فالجرافة والرصاصة والقلم كانوا حلفاء في تغيير ومحو التاريخ وتجلياته في القدس.

 

الخارطة الاستعمارية للقدس

تعددت الوسائل والأساليب والخطط الصهيونية التي تهدف إلى تغيير معالم الهوية الفلسطينية بشكل عام وهوية القدس بشكل خاص. حيث سخرت الصهيونية الاستعمارية، عدة مفاتيح ومراحل وطرق لإعادة تفكيك الهوية المقدسية وتركيب الهوية الاستعمارية للقدس، فلم يقتصر تشكيل خارطة القدس وهويتها الاستعمارية على الجغرافيا وحسب، بل يمتد ليشمل الديموغرافيا والفضاء والأسماء.

 

ووضعت الخطط المُمنهجة لتفكيك هوية المدينة وذاكرتها التاريخية مثل خطة " دالت" وهي خطة تطهير مكاني بشكل عُنصري، حيث تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من الأراضي الفلسطينية وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وإحلال مستوطنات ومؤسسات إسرائيلية محلها.

 

وخطة مشروع القدس الكبرى هي التصور الإسرائيلي لمدينة القدس الموسعة التي يحاول الإسرائيليون من خلالها صنع هوية جديدة للقدس عن طريق إزاحة الثقل التاريخي من مركز المدينة وتوسعتها خارج حدودها التاريخية،  توسعه تَمحِي معها هوية المدينة التاريخية والإسلامية، فمشروع القدس الكبرى عمليًا عبارة عن تطويق الأحياء العربية في البلدة القديمة مع فصلها عن الأحياء العربية خارج السور مع التركيز على الأغلبية السكانية اليهودية في المدينة والمستوطنات المحيطة بها،  لكي تصبح مساحة الأرض التي يعيش عليها العرب صغيرة جدا بالنسبة لما يسيطر عليها اليهود لإجبار المقدسيين على الحياة في وضعية صعبة، تضطرهم في أحيانًا كثيرة إلى الهجرة من بيوتهم وأوطانهم بحثًا عن سِعةٍ في العيّش وفُسحةٌ في التصرُف.

 

تفتيت السردية الفلسطينية جاء بشكل متواتر مع تفتيت الهوية الفلسطينية وتقويضها، عبر سياسات الإبادة الثقافية عن طريق محو المعالم الفلسطينية وتدميرها
تفتيت السردية الفلسطينية جاء بشكل متواتر مع تفتيت الهوية الفلسطينية وتقويضها، عبر سياسات الإبادة الثقافية عن طريق محو المعالم الفلسطينية وتدميرها
 

عمدت السياسة الإسرائيلية الاستعمارية طويلة الأجل فى القدس إلى خلق تغيير ديموغرافي شبه كامل للمدينة ومع تغيير كامل للمعالم الثقافية والتاريخية للمدينة، وهو ما يُطلق عليه الدكتور سارى حنفى بسياسة "التطهير المكاني" وذلك لتعزيز هوية ومكانة القُدس الجديدة كعاصمة لإسرائيل وكمدينة عالمية، عن طريق ربط المستوطنات خارج القدس ببلدية القدس من خلال ممرات لتحقيق أغلبية إسرائيلية بنسبة 88% مقابل أقلية عربية بنسبة 12%.

 

فقد استخدمت سُلطات الاحتلال قوانين التنظيم الهيكلي والبناء وقوانين ملكية الأراضي ضد السُكان المقدسيين واحتفظت سُلطات الاحتلال بالتنظيم الهيكلي في القدس الغربية ووضعت تسعة عشر مخططا تفصيليًا للقدس الشرقية ووضعت في كل مُخطط أحكامًا خاصة به للتنظيم والبناء، لا تسمح تلك المخططات الهيكلية بتطوير البنية التحتية للقدس الشرقية على مستوى الشوارع والطرق والمباني والمخططات والمباني العامة والخدمات في الوقت التي تظل فيه المباني المقدسية فريسة جرافات ثلاث سُلطات رسمية (وزارة الداخلية،  والبلدية،  والحكم الإسرائيلي العسكري).

 

تفتيت السردية الفلسطينية لم يقتصر على الهوية المقدسية وحدها وإنما جاء بشكل متواتر مع تفتيت الهوية الفلسطينية وتقويضها، عبر سياسات الإبادة الثقافية عن طريق محو المعالم الفلسطينية وتدميرها أو استبدالها وتسميتها بتسمية استعمارية إسرائيلية مختلفة. وامتد ذلك إلى تزييف المناهج الدراسية للفلسطنيين داخل أراضي الاحتلال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان