لا بأس أن نراهن على الحياة في جلب سعادتنا لكن لا يجب أبدا أن نظل رهينة لذلك، فالسعي في مناكبها في انتظارنا، الأخذ بالأسباب وإصابة الخسارة كما الظفر كلها مشاعر تحتاج منا أن نختبرها، مراحل متتابعة متغايرة لا يسلم من المرور بها إنسان، وفي رحلتنا الشاقة هذه يبرز لنا الاختيار كشيء لابد منه في كل وقت وحين، ليس أمامي سبيل غير أن اختار، لابد أن أختار في كل لحظة، فإذا أضربت عن الاختيار؛ كان إضرابي هذا نوعاً من الاختيار، الاختيار سوط يتركز مداه على أفئدتنا المثقلة أساسا بخيباتها السابقات، نمر عليه -رغما عنا- مجردين من كل وعي، صفر من كل تجربة، وكأن الثمالة فرض يصيبنا حينه ليضعنا فقط في مقابلة المقدور.
وفي رحلتنا الشاقة هذه على مدى الحياة يبرز لنا اختيار شريك الحياة كلغز كبير لا نفهم له أساسا ولا تسير فيه الأمور أبدا كيفما نريد، بل لكل طريقه المختار له، أغلبنا يغمض عينيه ويمر إلى اختيار أو قل قدر يعلق عليه كل آماله وأحلامه، لكن الأحلام في الأخير أحلام؛ لا تحدها معطيات ولا تعرف مستحيل، في حين أن الواقع واقع لا نتحكم في خطه وصنعه بقدر ما يتحكم هو في ذلك، لذا الاستطراد في رومانسيتنا الحالمة هو شيء من شأنه أن تتداعى بجواره كل الروابط إن لم يكن الآن فغدا.
لذا فتحصين الذات بعقلانية حاضرة هو شيء لابد منه، لا نقول أن اختيار شريك الحياة يجب أن يقوم على محددات عقلية بحتة، وهناك فعلا من يفعل ذلك، حيث هي تمتلك أرضا بجوار أرضه وهناك مصلحة أو هي تمتلك الوظيفة التي ستغنيه وتدر عليه ربحا، أو هو ذلك الغني المترع الذي سيحقق لها تطلعاتها وجل ما تريد، تلك العقلانية البحتة تسلم إلى حياة خالية من كل صنوف الإنسانية والألفة، بينما في الوسط ذلك الوسط الذي يحكم العقل كما يحكم القلب هو من يحظى بهدنة روحية وإشراقة مادية مصلحية تورده إلى حيث يتمنى من حال.

تسير الأفئدة في ريعانها وفي بكارتها الأولى نحو جواذبها، شاب جميل تبدو عليه علامات الالتفات إلى إحداهن، وهي صريعة حب أبكم لم يعرف بعد الكلم، يسيران صوب بعضهما ليتلاقيا في جنات الإحساس والشعور بكل رومانسية ممكنة، الحلم هو ما يسيطر على أجواء الحالة، والطفولة المربكة ما زالت آثارها تصدع في كل خفقة قلب، هل يستطيع الحلم أن يواجه الحقيقة والواقع، هذا ما تنفيه على الدوام صخرة الحياة التي على أسنتها تتحطم الآمال دوما كما الأحلام.
تمر الفتاة كما الشاب إلى مصير آخر في انتظارهما، انفكاك حدث وتصادم مع نواميس الكون والقدر، الاختبار سار ويحيط بنا كيفما أراد ومتى أراد، جريحان يتكئان على بقية من أمل، كلا منهما يسير في طريق آخر إلى شخص آخر، بينما الطريق في ذاته واحد وإن اختلفت العلامات والصور، تسليم بزواج جديد عقلي في المطلق يريد منه الشاب كما الفتاة يريدان به محو صورة واقعهما البائس، لكنه ليس انمحاء في الانتظار بل ثقل جديد يجسم على جرح في الأصل لا يزال نازفا، يتفاقم الوضع ويصل ذروته حيث فشل ذريع وربما طلاق.
| يفضي الطلاق إلى نظرة مجتمعية معيبة؛ ترى في ذلك المنفك أو المنفكة من علاقتها تربة صالحة للعار والنظرات السيئة |
تتعدد أسباب الطلاق لكنها في المجمل راجعة إلى تطرف ما، تطرف في الحب تطرف في البغض، عقل خالص يختار دون وعي من القلب أو العكس، إن التوسط في أمر الزواج هو ما ندعو إليه، فألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة. ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض.
يفضي الطلاق إلى نظرة مجتمعية معيبة؛ ترى في ذلك المنفك أو المنفكة من علاقتها تربة صالحة للعار والنظرات السيئة، لم تستطع أن تعمر، لابد أنها لعوب، هي حتما لا تطاق، أخلاقها الآن محل نظر، كلها اتهامات ترددها ألسنة العامة وتراها عيونهم القاصرة عن الرؤية الصحيحة، الجميع يلقي بالاتهامات للمطلقات جزافا دون اعتبار لإنسانية أو لأي شيء.
التكيف مع الأخطاء يمكننا أن نرده، يمكننا أن نحمي أنفسنا من انهيار حياتنا وحيوات أخرى بجوارها، إن نحن تعلمنا كيف نمضي على معراج الحياة، نظرتنا الرومانسية للأمور لا تفي أبدا لإقامة أيام صالحة للعيش والاستمرار، بل على العكس ربما أوردتنا إلى انقضاء سريع وانتهاء، إن الانفكاك عن الرومانسية ومنح العقل بعضا من حقه في التفكير لكفيل بدرء الخطر ولجم الانحدار وإصابة الاستقرار، التعايش مع أخطائنا ليس مقززا أبدا بالصورة التي ترسمها لنا نظرتنا الحالمة، يمكننا العيش، ومن حيث يمكننا العيش والتكيف يمكننا كذلك التغيير.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

