الجيوستراتيجيا.. لماذا يريدون القدس "إسرائيلية"؟

Blogs- فلسطين

تركز هذه الورقة التحليلية على محاولة لتقديم تفسير جرأة إعلان الرئيس الأمريكي "ترمب" أن القدس عاصمة الكيان الصهيوني، والمنطلق أن نقطة التفوق بين إسرائيل ككيان محتل والعرب والمسلمين كعالم تم تفكيكه من خلال مسار من الأحداث وخاصة العراق ومصر مرورا بسورية كدول مركزية في العالم العربي وّإخراجهم من المعادلة الجيوسياسية لصالح حسابات جيواستراتيجية لقوى إقليمية ودولية.

      

وكل هذه الحسابات الإسرائيلية والغربية مصدرها اهتمام مراكز البحث ومستشاري صناع القرار بالتفكير الجيواستراتيجي من خلال جمع وتحليل ودراسة وتفسير المعلومات الجغرافية الأساسية للدولة من منطلق عقيدتها وبيئتها الاستراتيجية التي تعيش فيها سواء الداخلية أو الإقليمية أو الدولية لاستخدامها في إعداد استراتيجية لإدارة الدولة في زمن الحرب والسلم، بالإضافة إلى والتعبئة النفسية للمجتمع الداخلي والمجتمع العدو عن طريق الإعلام والتوجيه واقتصاديا بتوجيه الانتاج لخدمة المجهود الحربي من انتاج واستهلاك وتوزيع، كل هذا من أجل الأمن والدفاع عن المجال الحيوي وتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

 

فالإسرائيليون والغرب فهموا أن الجيوستراتيجية أشمل وأعم من مفهوم الجغرافيا العسكرية، ذلك لأن هذه الأخيرة جزء من الحسابات الكبرى للتخطيط الشامل وهي كذلك جزء من المنظومة الجيواستراتيجية التي تسعى إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية في المجال الحيوي للدولة سواء إقليميا أو دوليا، كما أن الجيواستراتيجية تجاوزت الجغرافيا العسكرية إلى العمل العسكري فأصبحت تعني جميع جوانب التخطيط العسكري والسياسي والاقتصادي في إطارها العلمي أو التطبيقي، وهذا ما طبقته إسرائيل للوصول بفلسطين والعرب إلى هذا الوضع، في وقت أن العرب في المستوى الرسمي وغير الرسمي من خلال المثقف والأكاديمي يغرقون في خطابات وتحليلات عاطفية، فالجغرافيا السياسية والجيواستراتيجية إحدى العلوم الحديثة التي يحتاجها القادة السياسيون والعسكريون في الأنساق العليا التي تصنع فيها القرارات بشكل خاص.

 

إذا أردنا الانتصار يجب علينا العمل يوميا من خلال دور النخب والمثقف حتى لا نفقد القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية.
إذا أردنا الانتصار يجب علينا العمل يوميا من خلال دور النخب والمثقف حتى لا نفقد القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية.
 

ويجب الإشارة إلى أن الذي يقرر عدالة قضية ما أو عدم عدالتها هو ليس الخطاب العاطفي والانطلاق من الفراغ، بل تفكير وخطاب واقعي من منطلق مقومات جيواستراتيجية لبناء قوة الدول العربية، فردة فعلنا كسلوك من الناحية الاستراتيجية يعتمد على الرؤية والتوجه العام وحسابات الربح والخسارة من خلال نموذج عقلاني في صنع واتخاذ القرارات ووضع مجموعة من البدائل والأهداف، وهذه العقلانية في صنع واتخاذ القرارات لا تخرج عن إطارها الواقعي من خلال السعي لتحقيق المصالح العليا للدولة وتحقيق الأمن.

 
والرؤية الجيواستراتيجية لدولة ما في كونها تملك عناصر قوة تمكنها من لعب دور الضامن للاستقرار في المنطقة ودورنا كمجتمعات في معادلة الحسابات الاقليمية والدولية، والرؤية الجيواستراتيجية في السياسة الخارجية تسعى إلى إبعاد أجواء التوتر عن داخلها، وتقديم نفسها كقوة استقرار محاولة توظيف قدراتها ومقوماتها الجيواستراتيجية عن طريق الاستخدام الكفء والفعال للقدرات والمقومات المتاحة، مما يجعل سلوكنا برؤية جيواستراتيجية ذات أهداف مستقبلية وخطط شاملة وتحليل لنتائج البيئة الداخلية والخارجية مع استخدام الأبعاد الجغرافية في بناء الاستراتيجية.

 
إن الإرادة السياسية للمجتمع والسلطة السياسية الإسرائيلية عامل أساسي في بناء القوة الجيوستراتيجية للدولة، بحيث تسعى النخب بقوة إرادتها السياسية إلى وضع تخطيط استراتيجي شامل وقومي واستخدام كل المقومات الجغرافية والبشرية والاقتصادية والتكنولوجية والقدرات العسكرية لوضع استراتيجية شاملة تستطيع من خلالها الدولة تحقيق مصالحها والحفاظ على أمنها القومي ولعب كل أوراقها السياسية بشكل صحيح مما يضمن لها مكانة على الساحة الإقليمية كأولوية ثم على الساحة الدولية.

وبهذا فإن التخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي عمليتان ضروريتان في بناء القوة الجيواستراتيجية بحيث يسعى التخطيط الاستراتيجي إلى الفهم والتحليل الدقيق للمشكلات الاستراتيجية التي تواجه الدولة، ومحاولة وضع خطة لمواجهة هذه المشكلات عن طريق الاستخدام الكفء والفعال للمقومات الجيواستراتيجية من لأجل الوصول إلى الهدف الاستراتيجي وتحقيق المصالح القومية.

 
في ظل كل هذه المعطيات نجد أنفسنا كعرب غائبين عن هذا المستوى من التفكير، ودخولنا في مرحلة يتم فيها استهدافنا سياسيا وأمنيا واقتصاديا وثقافيا لنصل إلى مرحلة استهدافنا جغرافيا ليبدأ التفكير الجيواستراتيجي بالعمل لإعادة ضبط الجغرافية السياسية لمنطقتنا من خلال استخدام الجغرافيا في بناء وإعداد استراتيجيات تفككنا وتدمرنا، بينما يبقى العرب في التخلف والتدهور والجهل وخطابات عاطفية وتحليلات غير مبنية على أسس علمية، فإذا أردنا الانتصار يجب علينا العمل يوميا من خلال دور النخب والمثقف حتى لا نفقد القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية.