تعالوا إذن لنلقي نظرة على مسار وتطور هذا الأدب والتحولات العميقة التي أثرت على توجهاته بما يواكب تطورات الصراع العربي الإسرائيلي. سيقول قائل: طيب وما شأننا نحن؟ سأجيبه ببساطة: انتظر قليلا! سأعود لهذه النقطة فيما بعد.
بدأ الأدب الصهيوني المرتبط بقيام الكيان المزعوم في فلسطين في التبلور مباشرة بعد نكبة عام 1948، عندما وجد هذا الأدب نفسه مطالبا بل مجبرا على تبرير اغتصابه للأرض، فاعتمد على وسيلتين رئيسيتين، الأولى استحضار المجازر النازية بحق اليهود في أوروبا، والثانية الربط بين التوراة وأرض الميعاد، وهكذا امتلأت الأعمال الأدبية الصهيونية الأولى لجيل البالماح بعد النكبة بصور نمطية لليهودي الفار من ألمانيا، محملا بخزان ضخم من الذكريات عن المذابح والاعتقالات في أوشفيتز وغيرها، وغالبا ما يكون هذا اليهودي حافظا لتعاليم التوراة عن الأرض الموعودة.
هنا وجد هذا الأدب نفسه في مأزق، إذ كان مطالبا بتسويق أحقيته في الأرض، فقام شيئا فشيئا بإدخال شخصية العربي في أعماله، لينقسم إلى توجهين: الأول: تبناه اليهود الغربيون القادمون من أوروبا بالتزامن مع الحرب، هؤلاء قدموا العربي في صورة منحطة ومتخلفة، وأسهبوا في تقديم الصهيوني بطريقة أسطورية عنصرية تصوره كمتحضر مثقف كل آرائه على صواب، وكنماذج لهذا التوجه نجد مثلا رواية "نجمة في الريح" لروبرت ناثان و "لصوص في الليل" لآرثر كوستلر و "أكسودوس" لليون أوريس، وغيرها.
الثاني: تعامل مع المسألة بشكل أكثر واقعية، وجسده اليهود الذين عاشوا في فلسطين قبل 1948، هؤلاء صوروا العرب بشكل إيجابي، واعتبروا أن الحرب برمتها على أنها غير مبررة، وأشهر مثال في هذا السياق هو بنيامين تموز وقصص "شجرة الزيتون" و "السباق". وهكذا يمكن القول أن فترة نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات قد شهدت صراعا لدى هؤلاء الأدباء بين النزعة الفردية واكتساب احترام المجتمع والدولة، فتم تصنيف مؤلفاتهم على أنها "واقعية اجتماعية".

مع بداية الستينيات، بدأ هذا الأدب في التخلي شيئا فشيئا عن هذا التوجه، وتحول إلى النفسية الواقعية والرمزية، وأشهر رواد هذا التطور الجديد في جيل الصابرا الروائي الإسرائيلي عاموس عوز، بروايته "حنا وميخائيل" التي سبق وأن قدمت مراجعة عنها في إحدى تدويناتي عبر مدونات الجزيرة، وهي التي قال عنها بعض النقاد الإسرائيليين (غرورا بطبيعة الحال) أنها أخطر على كيانهم من جيوش عربية! وقد صور فيها الكاتب صراع الأجيال في المجتمع الصهيوني، عندما وجد الإسرائيلي نفسه أمام كم هائل من المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، التي لا تقل أهمية بأي حال من الأحوال عن المشكلة الكبرى وهي العرب، لتكون بذلك أول تجربة تشرح عقدة الذنب التي يملكها الجلاد تجاه ضحاياه، مع خوفه الشديد من حاضره ومستقبله الذي يراه ضبابيا ومرتبطا بالدرجة الأولى بأمنه المفقود، ربما لعلمه أيضا بأن ما انتزعه غصبا لن يدوم له، وإن طالت السنين والأعوام.
كان طبيعيا إذن أن تخلق هذه الرواية الجدل، لكنها لم تكن سوى مقدمة لتطورات لاحقة، صار فيها الصوت الإسرائيلي اليوم (منذ السبعينات إلى الآن) أكثر واقعية، حاول في البداية التكيف مع حقيقته والاتجاه إلى التعريف بالحياة داخل اسرائيل بكل عاداتها وتقاليدها في محاولة لكسب القارئ العالمي (دافيد غروسمان ومائير شاليف على سبيل المثال) قبل أن يمضي في اتجاه معاكس تماما للجيل الأول، إذ صارت التلميحات بقرب زوال اسرائيل من الوجود أكثر حضورا من أي وقت مضى، كما أن بعض الصراعات قد برزت إلى السطح في هذا الأدب بين اليهود الغربيين والشرقيين، وعاد النقاد إلى السؤال الأول : ما هو الأدب الإسرائيلي ؟ هل هو أدب عبري؟ أم يهودي؟ أم صهيوني؟ أم أنها كلها واحدة؟
نعود إذا في نهاية المطاف إلى السؤال الأول: ما شأننا بكل هذا؟ الأدب كما نعلم وكما نقول أكثر من مرة هو مرآة الشعوب، ولا يمكنك أن تفهم مجتمعا إلا من خلال أدبه، وقد يكون لرواية واحدة في بعض الأحيان أثر أعمق بكثير من مجلدات كثيرة، راجعوا مثلا رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني، أو الطنطورية لرضوى عاشور، التي صورت مسار الشعب الفلسطيني مجسدا في شخصية البطلة رقية منذ النكبة إلى غاية يومنا هذا بطريقة لم تكن مراجع رصينة كافية لتقريبها من وعي القارئ العادي الباحث عن الفهم.

في الجانب الإسرائيلي وجدت منذ سنوات الاحتلال الأولى حركة دؤوبة لفهم طبيعة العربي، فترجمت أعمال أدبية عربية كثيرة إلى اللغة العبرية، وحرص النقاد هناك على إصدار المؤلفات والمقالات الدارسة بشكل معمق لنفسية العربي من خلال أدبه، لعلها تكشف لهم عن مكامن قوته وضعفه، وإمكانية تشكيله لأي تهديد حقيقي لكيانهم. ماذا قابل هذه الحركة النشطة هناك في الجانب العربي؟
إذا استثنينا محاولات مصرية وفلسطينية خجولة في الستينات (لعل أبرزها دراسة غسان كنفاني في الأدب الصهيوني) والدراسات المهمة التي قدمها الراحل عبد الوهاب المسيري، وترجمات نادرة إلى اللغة العربية لبعض مؤلفات عاموس عوز الذي يحظى بشهرة عالمية تتجاوز المنطقة، وهي المحاولات التي افتقرت بشكل واضح إلى الدعم الذي يمكنها من الاستمرار وتحقيق المأمول منها، يمكن الإقرار بأن النتيجة تكاد تقارب صفرا.. لماذا هذا الاستخفاف الغريب بهذا الجانب، رغم أهميته القصوى والشديدة؟
مشكلتنا الرئيسية أننا نختزل الإسرائيلي في صورة قيادته السياسية أو العسكرية بارتدائه للزي العسكري وتخفيه وراء الدبابات والمدافع، لكننا نجهل عنه كل شيء، كيف يفكر، ماذا يحب، ماذا يكره، ما الذي يخيفه؟ ما هي نظرته للمستقبل؟ الإسرائيليون يعرفون عنا كل شيء، من طريقة تأديتنا للصلوات المفروضة إلى نوع القهوة التي نحبها، فماذا نعرف نحن عنهم؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

