"جهاد الهاشتاج".. حول الاستعلاء على التفاعل مع القضايا العامة

Blogs- فلسطين
كثيرا ما برزت في الفترة الأخيرة نقاشات وجدالات حول جدوى التفاعل على مواقع التواصل، أو المشاركة في الأنشطة الجماهيرية، تسجيل المواقف – الاعتراضات – الرفض – الموافقة.. فما بين الموافقة والاعتراض بل وحتى التسخيف تجاه هذه الأشكال من التفاعل، يحمل هذا التسخيف -عادة- خطابا يرى في هذه الأشكال من التفاعل غير ذات جدوى، بالتالي فإن هذا الخطاب يدعو لأن نكون أكثر تأثيرا في الواقع، وألا نستخدم هذه المواقع كمنصات تنحصر قضايانا فيها، فما جدوى هذا الخطاب؟
     
بنظرة تحليلية لهذا الخطاب، فإنه يحمل تصورا أقرب ما يكون للشخص الذي يرى في قومه تخلفا لا ينتبهون له، حزينا عليهم بإضاعتهم لأوقاتهم فيما لا جدوى فيه، كما يمكن وصفه بأنه خطاب يشكل شريحة اجتماعية ما، أو كخطاب تصنيفي، ينأى بنفسه عن جهالة العامة وتفاهاتهم، هذا الخطاب قد يعرّفك ضمن جماعة ما، تشعرك بكونك أكثر تحضرا.
       
فكرة الاستعلاء على الواقع، دائما ما كانت تحمل ضمنيا، فكرة التسامي على الآخرين، التي تعرف الفرد من ناحية المشاعر وتكسبه قيمة ما -وإن لم تكن بمعطيات واقعية- بأنه يتفوق على الآخرين. هذا الإشكال كثيرا ما انعكس على التفاعل مع قضايا الشأن العام، باعتبارها قضايا يشارك فيها العموم، ويتشكل فيها الرأي العام لا على أسس "منطقية" وإنما بصورة عاطفية. هذه العاطفة تحديدا، هي ما يستند عليه الخطاب الاستعلائي في تبريرات نقده لتفاعلات الأفراد مع القضايا، وهي أيضا ما تشكل أهمية السلوك الذي يتخذه الرافض، باعتباره متساميا عن التفاعل العاطفي اللحظي. تصبح وظيفتنا إذا أن نبدي اعتراضنا على كل شيء.
       
هذا الخطاب أيضا يروج لفكرة مفادها، أنه على الشعوب أن تتحرك، وألا تكتفي بتفريغ مشاعرها على منصات التواصل. وبنظرة متفحصة، فإن الذي يقود الحركات الشعبية، هي التيارات والحركات والأحزاب المنظّمة، ليكون الشعب حينها معبرا عن روح الأمة، وعن ضميرها. إذا، ليست وظيفة الشعب، أن يتحرك، وإنما ما نجده، هو دعم النفس الشعبي للحراك القائم، ومؤازرته، وتأجيجه الدعم المتواصل له. وبإمكان هذه الروح الشعبية، إذا ما تم استغلالها وتوجيهها، أن تتحول لحراك. إلا أن مطالبتنا بالحراك بمفهومه الشعبي الواسع، هي فكرة خيالية لا ترتبط بالواقع.
         
إن التفاعل
إن التفاعل "سوشال ميديا" أمر مطلوب، فانسحابنا يعني إتاحة الفضاء العام وإخلائه للتيار الآخر أو للسلطة الأخرى التي تسعى لاحتكار المفاهيم، واحتكار رواية الأحداث
 

ما الذي يسلكه الشخص الرافض للتفاعل إذا؟ في الغالب لا شيء. قيمة السلوك الذي يتبناه لا ينبع من كونه قائدا لعمل منتج، قادر على التأثير الحقيقي في الرأي العام، أو على جماعته القريبة بأقل تقدير. وإنما يكمن في استعلائه عن "القطيع".

           
هذا الاستعلاء لا يقتصر على التفاعل مع قضايا الشأن العام على المنصات "الافتراضية"، وإنما ينسحب على باقي التفاعلات "الواقعية" التي لا يجد فيها المُستعلي أثرا ماديا لحظيا، أو أن القيمة المادية، حتى وإن وجدت، فإنها لا ترقى للجهد المبذول فيها. كالخروج في المظاهرات والوقفات الاحتجاجية، أو حتى حضور الندوات التي تعنى بالقضايا التي نهتم بها. بهذه النظرة يبدو التعامل مع القضايا أشبه بالتعامل بمنطق السوق، من ناحية الربح والخسارة الماديين.
         
حالة الاستعلاء هذه لم تقتصر على شريحة رافضي التفاعل، وإنما يمكن ملاحظة انسحاب تأثيرها حتى على الأشخاص المتفاعلين، ويتضح ذلك بخطابهم التبريري، الذي يحاول أن يرفق كل تفاعل مع القضايا بجمل مثل "هذا أقل القليل، هذا لا يمنع أن نتفاعل… إلخ".. هذا الخطاب وإن حمل جانبا من الصواب، إلا أنه يأتي كرد، وكتبرير، كي لا يتم تصنيفهم ضمن الفئة التي تحصر تفاعلها على مواقع التواصل.
 
وبالعودة للاستعلاء على التفاعل مع القضايا، فإنه من نافلة القول، الحديث عن أن أحد ركائز خطاب السلطة، أيا كانت، يتمثل في التحكم بالرأي العام، والتأثير فيه، وإدارته، وعليه يكون تفاعلك أنت، جزء من هذه الأفكار العامة التي تدور في الفضاء الذي تسعى السلطة للسيطرة عليه. الأمر يتعلق هنا، باستغلال المتاح، والتأثير فيه. ومن نافلة القول أيضا، أن التفاعل مع القضايا على المنصات الافتراضية، لا يمنع السعي للتأثير المادي.
        
تبرز هنا حجة، أن التفاعل على المنصات الافتراضية يكفي الفرد جهد العمل، من ناحية حصوله على الإشباع، إلا أن هذه النقطة تحديدا، تعني أن الإشكالية تكمن في الشعور بالاكتفاء، لا بذات التفاعل، إذ إن التفاعل أمر مطلوب، فانسحابنا يعني إتاحة الفضاء العام وإخلائه للتيار الآخر أو للسلطة الأخرى التي تسعى لاحتكار المفاهيم، واحتكار رواية الأحداث.
          
لا شك، أن الأحداث الحالية التي تجري في القدس، وما أثاره قرار ترمب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، أعاد نقاش جدوى التفاعل على المنصات الافتراضية للواجهة. في الجانب الآخر، لا يخفى على أحد، جهود الدعاية الصهيونية، في ترويج ديمقراطيتها، وإرهاب المقاومة، وأحقية "إسرائيل" التاريخية والدينية بأرض فلسطين.. هذه الدعاية تجد من منصات مواقع التواصل، ميدانا خصبا لنشر هذه الأفكار، والتأثير في الفضاء، وتحديد رواية الأحداث. فما الذي سيصنعه الانسحاب؟ إنه لن يصنع شيئا سوى أن تترك المساحة للآخرين، ليشكلوا الرأي العام، ولن يصنع شيئا سوى أن تتوهم بأنك تعلو على المجتمع بانسحابك من الانشباك في قضاياه.