أن تكون مرافقا اجتماعيا

Blogs- talk
لطالما كنتُ مهتما بالعلوم الإنسانية بصفة عامة، وبعلم الاجتماع بصفة خاصة، ذلك أنني كنت أتلذذ باستكشاف مضامين الإنسان في علاقته مع ذاته، وفي علاقته مع الآخرين، وبقدر ما يسيطر الغموض على حقيقة الإنسان، تسيطر على رغبة جامحة في التعرف على كل ما يدور في غياهب هذا الكائن الذي يستعصي على الفهم، ولقد كان موضوع بحث تخرجي حول ماهية هذا الكائن في فكر روسو. ولهذا أجد ضالتي في الاطلاع على كل ما يقال حول الإنسان، لكن في كل مرة أجد أنني ينقصني الكثير لاستيعاب الحقيقة الغامضة للإنسان، فقررت استكمال الدراسة في القسم الخاص بالفلسفة والمجتمع، لكن لم يحالفني الحظ في ذلك، فانهارت رغبتي تلك. 
 
بعد أن حالت الظروف دون قبولي في قسم الفلسفة والمجتمع، ومن حسن الصدف أعلنت الجامعة التي درستُ فيها عن تأسيس شعبة مهنية جديدة تحت مسمى" المرافقين الاجتماعيين" فقررت أن أتسجل فيها، على اعتبار أن اهتماماتي تنصب كثيرا حول كل ما له علاقة بالإنسان والمجتمع، فوجدت نفسي أخيراً في شعبة تستحق أن أكون فيها.
 
بعد أن اجتزنا الاختبار الكتابي ثم الشفوي، تم اختيار بضع وعشرون طالبا لاستكمال الدراسة في هذا التخصص الجديد على الجامعة، والنادر في الجامعات المغربية، وكنتُ من بين المقبولين، وحينها قررت بذل المجهود اللازم في الدراسة، وكنتُ مستعدًا للتخلي عن عملي من أجل هذه الدراسة، لكن تَفهّم رب العمل لذلك ساهم في توفيقي بين الأمْرين، فكانت جل الحصص الدراسية منحصرة في الصباحات، والتوقيت المسائي خصصته للعمل، ورغم أن ذلك كانت له مجموعة من الضغوطات على نفسيتي، إلا أن ذلك لم يزدني إلا إصرارًا على طلب المزيد، فتحملتُ كل ذلك، وتمكنتُ أخيرا من التغلب على الفراغ القاتل، لأن الحياة بعيدا عن الفراغ لذيذة، وتستحق كل ما نتحمله لأجلها.
 
وما زاد من الضغوطات هو أن طبيعة الدراسة تطبيقية أكثر من كونها نظرية، مما فرض علينا القيام بمجموعة من البحوث الميدانية، وكل ذلك كان له أثر إيجابي على تجاربنا وتفكيرنا، لأنه يعلمنا معنى أن يتحمل الإنسان مسؤولية البحث والتعلم وتحمل الضغوط، ويعلمنا معنى أن يناضل المرء من أجل حياته.
           

أن تكون مرافقا إجتماعيا، يعني أن تستكشف مكامن الخلل في المجتمع، هذا من أجل أن تضع بصمتك فيه، وأن تقدم المساعدة الممكنة، لتساهم بشكل أو بآخر في رقيهِ
أن تكون مرافقا إجتماعيا، يعني أن تستكشف مكامن الخلل في المجتمع، هذا من أجل أن تضع بصمتك فيه، وأن تقدم المساعدة الممكنة، لتساهم بشكل أو بآخر في رقيهِ
 

قبل أن تنطلق الدراسة، كنت أعتقد أن هذا التخصص سينحصر على دراسة المجتمع، وتسليط الضوء على الأفراد الذي يعانون داخل المجتمع، فكان اعتقادي صائبا، ولعل اهتمامي بهذا المجال جعلني أقاوم ظروفي من أجل اكتساب المعارف الممكنة فيه، والتي من شأنها أن تخول لي فرصة الولوج الفعلي لهذا العالم المثير للاهتمام، والحق أن كل ما أَبذله من مجهود أجد أنه يستحق ذلك، لأنني أجد ضالتي في اكتشاف خبايا المجتمع، وتفاصيله المثيرة، واستخراج مكامن الضعف والقوة فيه، وتسليط الضوء على الأشخاص الذين يعانون داخله، والذين يستحقون أن نساندهم، وأن نقف إلى جانبهم حتى يحصلوا على حقوقهم، لأن الحضارة لا تكون كذلك إلا بالقضاء على المعاناة.
 
في البداية كان محور الدراسة مُنصبًا على استكشاف طبيعة الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم داخل المجتمع، ثم البحث في طرائق التعامل معهم، والتساؤل حول دور الدولة ومسؤوليتها تجاه هؤلاء الأشخاص، هكذا اكتشفنا أن الواقع ليس كما كنا نعتقد، اكتشفنا أننا مسؤولون بشكل أو بآخر حول كل ما يدور في المجتمع، وأنك بمجرد ما تكون فردا داخل المجتمع، فمن واجبك أن تحترم بقية الأفراد، وأن تتضامن معهم وتساندهم، وتناضل من أجل التقليل والقضاء على معاناتهم، أدركنا أن وجود حقوق الإنسان لا يتأتى إلا بشمولية هذه الحقوق على كافة الأفراد، وأن الحق الطبيعي لكل إنسان هو أن يعيش بعيدا عن المعاناة.
 
لعل الاهتمام بصحة المجتمع من واجبات الدولة، لكن ماذا لو قصّرت الدولة من واجبها تجاه مواطنيها قاطبة ولم تقدم لهم الدعم والرعاية الكافية؟ حتما سيصاب هذا المجتمع بالوهن، وستكون المعاناة هي مصيره، ولتجاوز ذلك، لابد من إذكاء الوعي المجتمعي بأهمية الصحة، وبأهمية المطالبة بالحقوق الضرورية، وممارسة الضغط على الجهات المسؤولة من أجل توفير الرعاية اللازمة للأفراد الذين يعانون داخل المجتمع.

أن تكون مرافقا اجتماعيا يعني أن تتنازل عن فردانيتك، وأن تحاول أن تتعامل مع المجتمع بإنسانية، وأن تعطي الضوء الأخضر لضميرك ليشتغل كما ينبغي، وأن تخرج من قوقعة العزلة التي تميل إليها، لتنفتح أكثر على المجتمع، وأن تستكشف مكامن الخلل فيه، هذا من أجل أن تضع بصمتك فيه، وأن تقدم المساعدة الممكنة، لتساهم بشكل أو بآخر في الرقي بمجتمعك، أن تكون مرافقا اجتماعيا يعني أن تكون إنسانًا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان