تهتم الثقافة السياسية بالعلاقة بين المجتمع ونظامه السياسي في الجانب السلوكي والقيمي، ويمكن تعريفها بأنها معارف وآراء وأفكار مجتمع ما فيما يخص الجانب السياسي في بقعة جغرافية معينة. وتتضمن هذه الثقافة جملة من الجوانب كالمشاركة السياسية ونظام الحكم وطبيعة الدولة والولاءات السياسية، وتمتاز الثقافة السياسية لشعب أو لأمة بإمكانية التطور والتغير بصورة مستمرة وفقا لما يتبناه هذا المجتمع من سلوكيات واتجاهات وقيم، ويتفاوت مستوى هذه الثقافة من فرد لآخر ومن مجتمع لآخر.
أولًا: الخلفية المعرفية ومنها تنبع الاتجاهات السياسية، وهي المرجعية الفلسفية والفكرية للمجتمع، والذي يفسر على أساسها روايته التاريخية ويبني مواقفه ورؤاه وأهدافه. كما تشكل مرجعية الدولة وبناءً على ذلك، ويعد تجانس الخلفية المعرفية لمجتمع من المجتمعات عامل أمن واستقرار.
| ثقافة الانغلاق السياسي يسود فيها العزوف عن المشاركة في صنع القرار السياسي وتتدنى الرغبة بين أفراد المجتمع في هذا الجانب |
ثانياً: الاهتمام بالأمور العامة للدولة والمجتمع، فإحراز الأهداف العامة للمجتمع وتحقيق تطلعاته ومصالحه ركيزة أساسية من ركائز الثقافة السياسية، ويقوم هذا العنصر على قاعدة التشاركية والتعاون في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من القضايا الجمعية.
ثالثًا: الاهتمام بالنظام السياسي، وهي الإطار الذي يحدد المجال العام للممارسة السياسية ويرسم أهدافها الآنية والمستقبلية. وعندما تكون هذه الاهداف محل إجماع الغالبية من أبناء المجتمع فإن ذلك يحقق الولاء للنظام السياسي القائم ويعزز الانتماء للهوية ويضفي المشروعية على كل ممارسات هذا النظام، ويضمن استمرارية هذا النظام ما دامت أهدافه تحظى بدعم الأغلبية، ويمكنه من مواجهة التحديات التي تواجهه على الصعيدين الداخلي والخارجي، والموازنة بين الضغوط الداخلية والخارجية.
رابعاً: الشعور بالهوية، ويتعزز الشعور بالهوية في ظل انتشار الحريات العامة واتساع نطاق المشاركة السياسية وانبثاق النظام السياسي من المنظومة المعرفية للمجتمع.
ويقسَّم باحثون الثقافة السياسية في المجتمعات ضمن نوعين الأول ثقافة المشاركة السياسية، وعند انتشار هذا النوع من الثقافة السياسية في المجتمع فإن الرغبة تتعزز لدى الغالبية الكبيرة من أفراد المجتمع بالمشاركة في صنع القرار السياسي كأولوية من أولوياتهم.
والنوع الثاني ثقافة الانغلاق السياسي، وهذا النوع ضدًا للنوع السابق. إذ يسود العزوف عن المشاركة في صنع القرار السياسي وتتدنى الرغبة بين أفراد المجتمع في هذا الجانب، وربما يرتبط هذا السلوك بتراجع الحريات العامة وغياب الديمقراطية واستشراء الفساد واليأس من القدرة على التأثير.
ويضيف آخرون نوع ثالث، وهي ثقافة شبه المشاركة السياسية، ويجمع هذا النوع بين النوعين الأول والثاني حيث لا تكون المشاركة السياسية معدومة ولا تكون شائعة أو ان الاهتمام بالمشاركة ينصب على الشؤون التي ترتبط بالجوانب الفردية دون الجماعية.

يستند كل نظام سياسي إلى ثقافة سياسية يبني عليها فلسفته في الحكم، وتضمن احتفاظه بالسلطة مدةً طويلة. فالنظم السياسية ذات الطبيعة الفردية تنمي في المجتمع ثقافة الخوف والسكوت، وقبول الامر الواقع والاحجام عن المشاركة السياسية، وانحدار شعور الإنسان بالكرامة، وعدم قدرته على تحصيل حقوقه الأساسية. وأما النظم التعددية فتستند إلى ثقافة التشاركية وقبول الآخر والتعددية السياسية.
يعد الدين عنصرًا أساسيًا في الثقافة السياسية عند كثير من المجتمعات، خاصة المجتمعات الإسلامية التي استلهمت من الرسالة السماوية الخاتمة والخالدة العديد من المفاهيم التي تعزز ثقافة المشاركة السياسية. فقد قررت الشريعة الإسلامية مبدأ الشورى الذي يعزز المساهمة في صنع القرار والشؤون العامة، وجاء بمبدأ المناصحة الشبيه بفكرة المعارضة السياسية في النظم المعاصرة. كما أن الدين الإسلامي يعزز النزعة المجتمعية نحو رفض الظلم.
| عند الحديث عن الثقافة السياسية للدولة التركية المعاصرة، نجد أن جذورها تعود إلى أواخر العهد العثماني وتحديداً إلى فترة التنظيمات |
عرف الأتراك تطور النظم السياسية من نظام القبيلة ثم الدولة المدينة، تلك المدينة التي ظلت حتى حقبة متأخرة تتألف من الخيام؛ لأن الأتراك لم يعرفوا المدن الحضرية إلا في مرحلة متأخرة من تاريخهم في أواخر عهد الهون وبداية عهد الكوك ترك مروراً بالنظام الإمبراطوري وانتهاءً بالدولة القومية الحديثة ذات النظام الجمهوري.
كان المجتمع التركي في حقب طويلة من تاريخه قبل الإسلام مجتمعًا أرستقراطيًا تسيطر فيه الأسر العريقة على مفاصل الدولة المهمة، وكانت المناصب فيها تورث من الأب إلى الابن، وكانت النظرة إلى الحكام تتسم بالقداسة بوصفهم مكلفين من قبل الآلهة. وحمل الحكام الأتراك القابًا توحي بالعظمة والقوة، فلقب الإمبراطور باليابكو وكذلك القاغان، وزوجته القاتون ثم بالخاقان، وزوجته خاتون.
ولقب الخان الذي استمر حتى نهاية الدولة العثمانية كانت الفروسية والقوة عاملًا حاسمًا إلى جانب الوراثة في اعتلاء سدة الحكم، خاصة عندما يثور النزاع بين ورثة العرش. وقد كان الحاكم ينصب كبير أبنائه أو كبير إخوته ولياً للعهد، كما كان يستعين ببعض الأمراء لتصريف بعض الشؤون الداخلية. كما استخدم الحكام الأتراك لقب الملك والسلطان بعد الإسلام، ثم الجمع بين السلطنة والخلافة في القرن السادس الميلادي، وتحديداً عام ألف وخمسمائة وسبعة عشر، ويعده بعض الباحثين خضوعًا من السلطة الدينية للسلطة السياسية.
وعند الحديث عن الثقافة السياسية للدولة التركية المعاصرة، نجد أن جذورها تعود إلى أواخر العهد العثماني وتحديداً إلى فترة التنظيمات. وتتمحور هذه الثقافة حول اتجاهات ثلاثة، هي: أولا الاتجاه الديني الذي كان يدعو إلى استمرارية الخلافة وجمع الشعوب الإسلامية تحت رايتها، وكان هذا الاتجاه يفسر ضعف الدولة أنه نتيجة الابتعاد عن تعاليم الدين، ومثل هذا التيار العوام، وعلماء الدين. وقد تبنى السلطان عبد الحميد الثاني فكرة الجامعة الإسلامية في مواجهة تململ القوميات في الدولة العثمانية، وقد أفرزت هذه الأفكار في مرحلة لاحقة الأحزاب السياسية ذات الجذور الدينية التي سيتم توضيحها عند الحديث عن النظام السياسي التركي.
أما الاتجاه الثاني، فهو الاتجاه القومي التركي أو الطوراني. ويهدف إلى إقامة دولة تشمل الشعوب التركية الأخرى في آسيا الوسطى، وقد أفرزت الأحزاب القومية على أساس هذه الأفكار.

وهناك اتجاه ثالث يسعى إلى قيام دولة تركية في الأناضول فقط، والقطيعة مع الإرث العثماني، وتأثر هذا الاتجاه بأفكار الثورة البلشفية، خاصة فيما يتعلق بالقطيعة مع الدين. ومثل هذا الاتجاه مصطفى كمال باشا ورفاقه، الذين أعلنوا قيام النظام الجمهوري في التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول، عام ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين. كما تأسس حزب الشعب الجمهوري والأحزاب اليسارية الأخرى على هذه الأسس.
لقد قادت العديد من الظروف الداخلية والخارجية في تركيا الحديثة إلى صعود الاتجاه الثالث مستنداً إلى شرعية حرب الاستقلال التي خاضها رموز هذا التيار في أعقاب الحرب العالمية الأولى ضد الحلفاء الذين احتلوا كثيراً من الأراضي التركية في الأناضول، وكذلك إلى استحواذ هذا التيار على الجيش والإمساك بمرافق الدولة الناشئة، وأخذ هذا التيار بزعامة مصطفى كمال يسعى إلى إعادة صياغة شكل وهوية الدولة والشعب، وحدد الأسس التي أراد العمل على ضوئها لتحقيق أهدافه. وملخص هذه الأسس يتمثل في الاستقلال ضمن حدود الأناضول والحداثة والتوجه نحو أوروبا، أو ما عرف بالأوربة وعلمانية الدولة والشعب، أي قطع الصلة بكل ما هو ديني، وأخيرا امتلاك قاعدة صناعية.
ورغم تحسن الوضع السياسي في تركيا واتساع نطاق الحريات السياسية في البلاد بعد رحيل مصطفى كمال ومن ثم خليفته، عصمت اينونو، وتقلص القبضة الحديدية للكماليين على السلطة. وقد برزت تناقضات عديدة في مسألة الهوية التركية، خاصة منذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين. وتمثلت تلك التناقضات بنمو النزعات القومية لدى الأقليات العرقية، والجدل حول الانتماء الإقليمي لتركيا، ثم احتدام المواجهة بين العلمانية والتدين، خاصة بين النخب السياسية على إثر صعود تيار الإسلام السياسي كقوة بارزة في الساحة السياسية التركية.
وكل تلك التناقضات تجعل المجتمع يعيش أزمة هوية، وتخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدولة التركية المعاصرة، وتكرس حالة من الصراع حتى وإن كانت بصورة خفية. لقد شهدت تركيا بعد الحرب العالمية الأولى ولادة الحركة القومية بقيادة مصطفى كمال، والتي أخذت على عاتقها التخلص الكامل من الإرث الإمبراطوري وتأسيس دولة قومية علمانية ذات نظام جمهوري.
واتسمت المرحلة الكمالية بسمات عدة، أهمها: الانكفاء والانحسار داخل حدود الأناضول وفقدان كل ما هو خارجه من أراض والقطيعة التامة مع كل ما هو عثماني وإسلامي. وتمثل ذلك بتغيير القوانين والأنظمة الإسلامية واستبدالها بأخرى غربية، وإلغاء كافة المؤسسات الدينية، وحظر التعليم الديني والرموز الإسلامية، وطغيان حركة التغريب في القوانين والتشريعات والأنظمة والاقتصاد، حتى في اللباس.
إلغاء الحروف العربية، وترجمة الأذان والقرآن الكريم إلى اللغة التركية، وحكم استبدادي هيمن فيه حزب الشعب الجمهوري على كافة مرافق الدولة، وهيمن مصطفى كمال على الحزب والدولة وتعود جذور معظم سمات هذه المرحلة إلى مرحلة التنظيمات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

