لنواجه الحقيقة

blogs ترمب و السيسي

صعب عليّ اليوم أن أكتب تدوينتي متجاهلا قرار ترمب المشؤوم. صعب عليّ أيضا أن أكتب عنه، لأنه لم يبق ما يقال في هذا الصدد. ثمة حقائق واضحة، لا تحتاج إلى كلام يشرحها. ميزان القوى اختل تماما لصالح إسرائيل، التي لا أمقتها بسبب ديانتها ولا عِرقها ولا لغتها… أمقتها لأنها سلطة احتلال وقمع للبشر؛ لأنها نتاج كريه لتفاعل الروح العنصرية وسطوة الاستعمار وصلف القوة.. أمقتها لأن شعبا تُنتهك حقوقه بلا رحمة، منذ عشرات السنين، حتى تقوم دولة إسرائيل البغيضة وتتوسع على جماجم الشعب الفلسطيني.

 

لم يعد لنا وزن، نحن الشعوب المجاورة لإسرائيل؛ لم يعد لنا وزن، حتى أن ترمب صرح لوسائل الإعلام أنه اتصل بالسيسي وعباس وأخبرهما بقراره بنقل السفارة الأمريكية للقدس. عجيب أمر هذا الترمب. لماذا يصرح بذلك للإعلام؟ إنه ميزان القوى يهوي بنا.

 

منذ وعيت على الدنيا، كانت الفعاليات الداعمة لفلسطين من مكونات وعيي وانحيازاتي؛ خاصة إذا تعلق الأمر بقصف أو عدوان إضافي. أذكر أنني في منتصف الألفية، نزلت للشارع صدفة مساء يوم عصيب على فلسطين، ربما كان العدوان على جنين. في أول شارع رئيسي قريب، لمحت الحشود الغاضبة تهتف. هتفت معها مذهولا. أي إحساس بالحرية، والإيمان بقضية نبيلة! صحيح أن النظام المصري وقتها كان يسمح بمثل هذه التظاهرات، بل ربما رآها متنفسا جيدا عن الغضب، بعيدا عن الصدام المباشر مع السلطة الحاكمة، أو كان يرى ضرورة لترك غضب الناس ينفجر، في هذه المسيرات، بدلا من الانفجار في وجه النظام نفسه.

 

ربما كانت تلك المرة هي الأولى لي كمتظاهر. لم أشارك طويلا. شعرت باللاجدوى، غير أن شعورا ما غمرني؛ شعورا بأن الكرامة متاحة، أقرب مما نظن؛ نكاد نمسكها بأيدينا. لم يكن أحد من المنظمين وقتها يهتف ضد مبارك، كأنما كان الجميع يعرف حدوده.

 

يرى البعض الموقف إيجابي، لأن قرار ترمب كشف موت حلول مسرحية حل الدولتين واستكمال عملية السلام والمفاوضات.. وهي إجراءات لم تكن تصنع أي فرق بدولة لا وجود إلا لاسمها
يرى البعض الموقف إيجابي، لأن قرار ترمب كشف موت حلول مسرحية حل الدولتين واستكمال عملية السلام والمفاوضات.. وهي إجراءات لم تكن تصنع أي فرق بدولة لا وجود إلا لاسمها
 

أيضا، أطلق الفنانون موجات من الغضب والتضامن؛ أغانيَ وطنية تدافع عن فلسطين بالأغاني والأوبريتات، التي كان صدورها احتفالا كبيرا بالقضية الفلسطينية ذاتها. كانت البرامج والفضائيات تحتفي بهذه الأغاني وتذيعها مرارا وتكرارا. كان انطلاق تضامن الفنانين، أمرا محسوبا لدى النظام: هؤلاء الشباب الغاضبون يحتاجون إلى من يمتص غضبهم. كنا ننتظر هذه الأوبريتات في الأيام العصيبة؛ نسمعها فنبكي غالبا، ننفعل انفعالا عنيفا، جياشا.. يهدأ غضبنا.

 

الآن، لا يسمح النظام المصري لهذا الهامش الفني بأخذ مساحة ما من المشهد. لم نسمع أغاني عن فلسطين، اعتقل عدد من الشباب المتظاهرين تنديدا بقرار ترمب. اعتقل آلاف من الشباب بسبب احتجاجات كثيرة، لأسباب عديدة، منهم أنصار لمرسي وشباب من القوى الثورية تظاهروا ضد قانون التظاهر… منهم شباب رفضوا تنازل نظام السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير، ومنهم شباب اعترضوا على قرار ترمب. لم يعد شيء يقال.

 

ربما أمكن للبعض أن يقترحوا فكرة عجيبة: الموقف إيجابي، لأن قرار ترمب كشف موت حلول مسرحية مثل حل الدولتين واستكمال عملية السلام والمفاوضات… وهي إجراءات لم تكن تصنع أي فرق، كانت تضمن نفوذا لمسئولين فلسطينيين يديرون دولة لا وجود إلا لاسمها، بل كانوا يقومون بمهام أمنية لضبط الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرتهم؛ أي كانوا نوعا من تمثيل المصالح الإسرائيلية. هؤلاء أصبحوا بلا وزن الآن. لنواجه الحقيقة إذن.

 

في ذلك الرأي شيء من الوجاهة؛ وجاهة الحقيقة المرة التي تفتح عيوننا على ما لا نحب أن نراه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان