دفعوا المال وباعوا القُدس.. إنّها صفعة القرن

Blogs- القدس
كالتلميذِ الغبيّ الواثق من حلِّ المعادلة بشكلٍ صحيح، صعدَ ترمب وأمسك بالطبشورة ليكتُبَ على لوح الذل العربيّ وعد بلفور الحديث، نبرة صوته، حركاته، وكلّ ما في أقواله وجسده كان ينضحُ بالثقة أنّ لا عواقبَ أو ردود فعل ستواجههُ إثر إعلانه القُدس عاصمةً لإسرائيل، فخلفهُ يقفُ بعض القادة العرب بالخفاء وهو يكتُب معالم "صفعة القرن".
رغم أنّ الرجل الأبيض -القادم من عالم الاقتصاد والمال والثروات- يعي جيدًا رغم غبائه السياسيّ أنّ ما كان يقوله هامًا جدًا ومفصليًا في تاريخ إسرائيل وفلسطين وأميركا على حدٍ سواء، ليس لأنّهُ يخرق عمليّة "السلام" القائمة على التفاوض بشأن القدس وعدد من المواثيق الدوليّة فحسب، بل لأنّه اعترف في خطابه أنّ السياسات الأمريكيّة ورغم اتخاذها سياسة دلال ابنتها الوحيدة إسرائيل منذ زمن وانحيازها الواضح نحوها الذي لا يخفى على أحد، إلا أنّ لا رئيس أمريكيّ كان قد تجرأ على إعلان القدس عاصمةً لإسرائيل، ولكنّه ترمب قرر بكلّ جرأةٍ أن يجرّب وسائل أكثر حداثة "بأعين مفتوحة وتفكير جديد" كما وصف نفسه، ليكون هو أوّل من يتخذ خطوة الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل في تاريخ أميركا.
فيقول في خطابه: "لا يُمكن أن نحلّ المشاكل بذات الاستراتيجيات التي قمنا بها في الماضي، فجميع التحديات تتطلب مقاربات جديدة، واليوم أود أن أعلن مقاربة جديدة بشأن النزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، في عام 1995 تبنى الكونغرس قرارًا يحث الادارة الامريكيّة على نقل سفارتها إلى القدس والاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل، وقد مرّ القانون بأغلبيّة ساحقة من المجلسين. ولكن كل رئيس أمريكيّ سابق قرر تأجيل القرار ورفض نقل السفارة أو الاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل، لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ تأجيل نقل السفارة يصب في جهود السلام ولكن بعد 20 عامًا من التأجيل لم نقترب من عملية سلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، وقد حان الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل".
فتأكيد ترمب في خطابه بأنّ إسرائيل وعاصمتها القدس كانت وستبقى للأبد يهوديّة يعني أنّ الصراع في فهم ترمب هو دينيّ وليس سياسيّ
فتأكيد ترمب في خطابه بأنّ إسرائيل وعاصمتها القدس كانت وستبقى للأبد يهوديّة يعني أنّ الصراع في فهم ترمب هو دينيّ وليس سياسيّ

ويستمر خطاب الأخرق ترمب أنّ هذه الخطوة تصبّ في صالح "مساعي السلام بين إسرائيل وفلسطين"، إذ أنّ ترمب لا يرى أيّ تضارب بين إعلان القُدس عاصمة إسرائيل وبين ابتلاع الحق الفلسطينيّ في هذه الأرض، بكون السلام كما يفهمه ترمب هو تنازل الفلسطينيين عن أرضهم، فمفهوم السلام فضفاض إلى درجةٍ تجعلُ من معناه التنازل عن الحقّ في الوجود، وهذا ما يؤكده خطاب ترمب الذي لم يلتفت إلى الحديث عن فلسطين في خطابه وذكرها إلا بشكل هامشيّ، سوى ببعض الجمل المرتبطة بالسلام.

تحدث ترمب مرارًا عن استراتيجيّات جديدة سيكونُ أوّل من ينفذها لصالح إسرائيل، وهي استراتيجيّات تبلورت رؤيتها مؤخرًا بعد زيارته للسعودية وإسرائيل وتوقيع اتفاقيات تاريخيّة مع الأولى، أي السعوديّة التي قام يومًا بوصفها قبل فوزه بالانتخابات بالبقرة الحلوب وأنه "لو لم ندافع عنهم لما كانوا موجودين، يجب عليهم دفع الفواتير السابقة وثمن حمايتنا لهم"، وهذا تحديدًا ما فعله بعد فوزه بالانتخابات بعد أن استطاع أن يجلب أموال تبني دولة حديثه بأسرها. الأمر الذي لم يأتِ صدفة حين طالب السعودية بالقضاء على الإرهاب في المنطقة وأعرب حينها عن كامل تعاون السعوديّة معه. وفي خطابٍ متصل لترمب قبل فوزه أيضًا، يظهر فيه بوضوح وصفه للفلسطينيين على أنّهم متطرفين وإرهابيين وبأنّهم يعلّمون أطفالهم قتل اليهود.

هذه الاستراتيجيّات الجديدة التي طرحها ترمب تتضمنُ استراتيجيّات مختلفة نحو القضيّة الفلسطينيّة، يمكن تلخيصها "بصفقة القرن" التي ظهرت مع وصوله إلى الحكم. وكنتيجةٍ لزيارة ترمب للسعوديّة، قادت السعوديّة عدد من الأحداث الخارجيّة في المنطقة، أبرزها مقاطعة قطر واللعب بالشأن اللبنانيّ الداخليّ، وداخليًا بسجنِ عدد من أصحاب النفوذ السعوديين وتغيير بعض القوانين في المملكة، كلّ هذا تحت مسمّى محاربة الإرهاب والفساد.

هذا المشروع طرحه ترمب بكل حماس ولا بُدّ أنّه ينوي تنفيذه رغم علمه برفض الفلسطينيين التام له ولكن تعاون بعض الدول العربيّة معه سيجعل من هذه الصفقة المستحيلة ممكنة جدًا
هذا المشروع طرحه ترمب بكل حماس ولا بُدّ أنّه ينوي تنفيذه رغم علمه برفض الفلسطينيين التام له ولكن تعاون بعض الدول العربيّة معه سيجعل من هذه الصفقة المستحيلة ممكنة جدًا

وهنا يظهر اسم ولي العهد السعوديّ الجديد، محمد بن سلمان الذي يحاول جاهدًا تثبيت كرسيّه في الحكم ومصالحه الشخصيّة على حساب القضايا التي تعيشها المنطقة، فقبل إعلان ترامب القُدس عاصمة إسرائيل، كان قد اقترح بن سلمان على رئيس السلطة الفلسطينيّة، محمود عباس، أن يتخذ الفلسطينيون "أبو ديس" عاصمةً لهم وأن يتنازلوا عن القدس الشرقيّة!  ووفقًا للمصدر، فإنّ بن سلمان قد أخبر عباس بأنه "إذا لم يقبل بالتسوية المطروحة فإنه سيتم الضغط عليه من أجل الاستقالة لإفساح المجال أمام بديل يرضى بها"، فيبدو أنّ هناك اتفاق بين ترمب الذي يرى بالسلطة الفلسطينيّة أنها تغذي العنف والكراهية ويطالبها بوقف مخصصات الأسرى والشهداء، وبين النهج الذي تجاهر به السعودية مؤخرًا إزاء القضيّة الفلسطينيّة والافتخار بالعلاقات السعوديّة- الإسرائيليّة.

كل هذه المعلومات تبدو مألوفة، ولكن إذ ما رأيناها بعينِ صفقة القرن، التي جرى الحديث عليها بين إسرائيل، أميركا، مصر والأردن، رغم انكار غالبيّة الأطراف، تقضي بتوطين الفلسطينيين في سيناء بعد عمليّة من تبادل الأراضي، هذا المشروع طرحه ترمب بكل حماس ولا بُدّ أنّه ينوي تنفيذه رغم علمه برفض الفلسطينيين التام له ولكن تعاون بعض الدول العربيّة معه سيجعل من هذه الصفقة المستحيلة ممكنة جدًا، فهي صفقة اعتنت بالشقّ الاقتصاديّ على أساس ربحيّ إغرائيّ أيضًا وليس سياسيّ فقط، ولا شكّ أنّ أوّل خطوة لتحقيق هذه الصفقة إن كان ترمب ينوي تنفيذها هو إعلان يهوديّة القُدس.

لماذا؟ لأنّ ما تحملهُ القُدس من رمزيّة دينيّة تعتبرُ السقف الأعلى في نفوس الفلسطينيين، إن كُسرَ هذا السقف لدى الفلسطينيين وتمّ إعلان القدس عاصمة إسرائيل اليهوديّة وقبل الفلسطينيون به، فإنّ هذا يُمكّن الأطراف كافّة من حلّ القضيّة الفلسطينيّة كما شاؤوا بعوائق أدنى، فتأكيد ترمب في خطابه بأنّ إسرائيل وعاصمتها القدس كانت وستبقى للأبد يهوديّة يعني أنّ الصراع في فهم ترمب هو دينيّ وليس سياسيّ، وإن كانت جملتهُ عابرة إلا أنّها أكّدت أنّه "إن تجاوز الفلسطينيون فكرهم الدينيّ نحو القُدس، فهذا يعني السّلام الذي سيُمنح لإسرائيل للأبد".