الحب الحامض

blogs سمراء

أحب الصبي الضّلّيل الفتاة "روشين" الحلوة، حباً ملك عليه فؤاده، وملأ بالأحماض قلبه، وروشين فتاة في عمره، سمراء غامقة بلون القهوة الضاحكة، حسناء إن نظرت إليك سقتك بالعين خمراً، مدللة، وغنية، تعرف ألوان الغنج، مكسال الضحى، ولها كلب لا يكبر، مثل الهرة. سعيدة دائما.

 

لأبيها حظوة في السينما الوحيدة بدارتيها الشتوية والصيفية، فهي ترى كل الأفلام مجانا، أبوها خبير صيانة آلة العرض. تقضي روشين صيفها مع أقاربها في هذه البلدة النائية الهادئة بعيدا عن ضجيج حلب، التي تقيم فيها باقي الفصول. تودد الصبي ذو القروح إلى أخيها كاوا، وهو قريب من عمره، مدلل، يلبس أجمل الثياب، شعره طويل، يصل إلى كتفيه، ويطّوح مع حركاته ومع نسمات الهواء، له دراجة غريبة الشكل، غير معهودة، لا تضطر راكبها وهو يمتطيها إلى رفع ساقيه عاليا فوق متنها، حتى يصير فوق الكرسي، فلها فجوة يدلف منها ساقه بسهولة، ولها منبه، وسلة على المقود للجرو.

 

 تقيم عائلة روشين في الجوار، فلهم بيت صيفي من الطين، تربض في باحته الكبيرة حصادتهم الكلايزون الصفراء الفاخرة، التي تنام أحد عشر شهرا في السنة، فالحصادات تعمل شهراً واحداً في حلاقة سنابل القمح والشعير الذهبية، ثم تأخذ إجازة طويلة باقي السنة ذاهبة في سبات طويل على أحلام الصيف والقطا وزيزان الحقول، وتتحول هذه الآلة العملاقة إلى ملهى للأطفال، فلا ملاهٍ في البلدة، فهم يتخذون مزراب الأكياس القصير الذي لا يجاوز ثلاثة أمتار في الحصادات منزلقاً، ينزلقون عليه المرة تلو الأخرى في حصاد اللهو. مزراب الكلايزون أطول من مزراب الجوندير ذات وشم الغزال، ومن حصادة الكلاس أيضا. أما المسيو هارس فهي حصادة أقصر مزرابا.

 

فكر الصبي ذو القروح كيف يصيد هذا الطائر الأسمر؟ أي طعم يضعه في الفخ، فهي غنية، لا ينقصها شيء، تأكل ما تريد وتلبس ما تشاء، لابد أن ينقصها شيء ما، فهذه سنة الحياة؟
فكر الصبي ذو القروح كيف يصيد هذا الطائر الأسمر؟ أي طعم يضعه في الفخ، فهي غنية، لا ينقصها شيء، تأكل ما تريد وتلبس ما تشاء، لابد أن ينقصها شيء ما، فهذه سنة الحياة؟
 

ينتظرها الصبي يوميا بالساعات حتى تمر أمام الباب لا ريث ولا عجل، تمشي كما يمشي الوجي الوجل، وهي تمر في اليوم عدة مرات قاصدة أقاربها على الضفة الأخرى من الشارع العام، وجروها الصغير الصوفي الشعر، المجعد، يلحق بها، وصوت ناظم الغزالي ينسرب من إحدى النوافذ: طالعة من بيت أبوها رايحة لبيت الجيران، لابسة الأبيض والأحمر والعيون تضرب ســـــلام. فيلمحها ويضطرب قلبه، مثل العصفور الباشق، وهو نوع شرس من العصافير، في الفخ. ويكاد يصيح مستنجداً مثله من العيون التي تضرب سلاما، لكن سلام عينيها يشعل في قلبه الصغير، قلبه الجرو الذي يلحق بها، الحروب ويلهب فيه المعارك الضروس.

 

لكاوا أربع أخوات أشعلن البلدة بالحب والرغبات، وهن يطلعن من بيت أبيهن، فجميعهن جميلات ومغناجات، ويدركن رقة قلوب شباب البلدة، التي جرفت حصادة اللايزون سنابها حصدا، فيخطرن في الشارع بأزيائهن الغريبة الهفهافة، رائحات غاديات، في الصباح والمساء عند اشتداد حركة السنونوات في البحث عن الطعام في الغدو والآصال، زائرات الأقارب والجيران على الضفة الأخرى من الشارع العام، الذي يتحول إلى نهر بشري من الشباب بعد المغرب، وبعد رشه بالماء، فيخرجون بعد يوم قائظ ترصدا لخروج إحداهن، فيظفرن بنظرة تقيم أودهن العاطفي، مؤونة ليوم كامل. يضطرب الشارع ويتعرض إلى أعاصير عاطفية وأنواء وأشواق قلبية بخروج النساء وبالرطوبة الليلية، تنقلب سفن وبواخر في حبر الغرام وتغرق في قاع الأمل مثل سفينة التيتانك العملاقة.

 

فكر الصبي ذو القروح كيف يصيد هذا الطائر الأسمر؟ أي طعم يضعه في الفخ، فهي غنية، لا ينقصها شيء، تأكل ما تريد وتلبس ما تشاء، لابد أن ينقصها شيء ما، فهذه سنة الحياة؟ لكنه لا يعرف ما هو حتى يقدمه لها. كان يصعد يوميا إلى السطح مدعياً رعاية الحمامات ليطل على باحة دارها، عله يسرق نظرة إليها وهي تجلس أو تعبر الباحة، مرة وحيدة لمحها وهي تصعد إلى السطح على السلم الخشبي، وأطاح الهواء بتنورتها قليلا، فسقط الصبي على السطح من موجة التنورة العملاقة، ولولا الحذر لسقط من السطح على الأرض من لفحة التنورة، الصهداء. كيف سيرسل إليها رسالة غرام وحب، فليس سوى بريد العيون.

 

هذا هو طائر المحال، طائر السيمر العجيب. مرة وحيدة، طارئة وسحرية، توقفت في الشارع، له وحده وخاطبته من غير تحية، فتوقف متحيرا، هل تقصدينني؟ كان الوقت مساء، الشمس توشك على المغيب، قالت له: سمعت أن لديكم كرما؟ قال: نعم هو كرم أعناب ولوز.. وفيه طيور كثيرة.. قالت: وفيه حصرم، أحب العنب قبل النضج، العنب الحامض، قبل أن يصل إلى سن البلوغ. قال لها: لبيك أيتها الأميرة.

 

فتح يده بعفوية، مذهولا أمام الجائزة، جائزة الخسارة، فلم يكن يتوقع أجراً لهديته سوى ابتسامة شكر، هذه هدية لا تقدر بمال يا روشين، رحلتي ليس هذا أجرها، ثمن الجرة الذهبية هو العروس نفسها

إنها تحب العنب في طفولته، العنب غير الناضج، الوقت مساء والليل يوشك على الحلول وطمس معالم الأشياء تحت عباءته الواسعة، وذو القروح يخاف من الظلمة، بعد فيلم الاسم المجهول الهندي، الذي أخافه كثيراً، وصار يرى في كوابيسه جرائم القتل السبعة الشهيرة في الفيلم.  قفز على دراجته وقصد الكرم، الذي يبعد مسافة خمسة فراسخ، وهو يخشى كل الخشية من أشواك الطريق أن تثقب عجلة الدراجة، فينقطع في البرية في أول المساء. وصل وقد حلَّ الظلام، أضاء المصباح الذي يصيد به الطيور باحثا عن عناقيد الحصرم، الحصرم العنب من أجل الأنثى الصغيرة، الحصرم الذي لا يطال، وهو يحدث نفسه على أمل أن يصلها بالحامض وصلاً، هل سيكون مهراً لصداقة قادمة؟

 

كانت الشمس قد أنضجت بعض حبات عناقيده وومدّته بالحلاوة المبكرة، قطف ما يقدر على حمله متخيراً أشد العناقيد خضرة وحموضة، العناقيد التي لم تمسها الشمس والمخفية تحت الأوراق، هي الحامضة، ووضعها في كيس وأردفه خلفه على الكرسي وربطه ربطا بسيور وحبال.

 

وعاد وقد بدأت الكلاب وبنات آوى بالعواء المخيف، انطلق بأقصى سرعة خائفا مذعورا منها، ومن صبيان الراشنية الأشداء القساة، عبر طريقاً طويلا، وحبات العنب تتطاير خلفه، قاسية خضراء حامضة، التف حول الدور والمزارع، وعبر الجداول والأنهار والسبخات، وغاص في التراب، ودخلت في سيقانه أشواك، وأصيب بجروح، ولهث طويلا، وزخّه عرق مالح، واشتعلت الحدود بالنيران والرصاص بين مهربي التبغ وحرس الحدود، فاكتظت تخوم الأرض بالنار والشهب، كانت أشد رحلة عبرها في حياته، وأسرع وأطول رحلة، وصل أخيرا إلى البلدة وهو يلهث، عاد وكأنه بطل تلك الحكاية، وقد أحضر الجرة الذهبية بعد أن قتل التنين. غارقا في العرق، قصد دار روشا، قرع سقاطة الباب الحديدية، فخرجت الأم، عرفها بنفسه في الظلمة، وقال: أنا جاركم، أحضرت لروشا الحصرم، قالت: نعم إنها تحب الحصرم.

 

نادت الأم على ابنتها فخرجت، "الفور كات"، البنات الأربع كسولات، حييات، ضاحكات، روشين ونرمين ونسرين وشيرين، برزن من مخابئ الجمال، وأصداف المحار، يرتدين أزياء منزلية، وثيرة وشفافة، بالأحمر والأبيض والعيون تضرب سلام، سلام فيه حروب تدمّر دولا وتقوض ممالك، بعض العيون لها طعم العنب قبل النضج، وبعضها لها طعم الحصرم الحامض. ناولت الأم الكيس لابنتها روشين، فضحكت ونظرت إلى الباب، فلمحته، كان غارقا في عرقه، عائدا من الحرب، بعد غياب طويل، جرت إلى الغرفة وخرجت وفي يدها شيء، وقالت للصبي: تفضل.

 

فتح يده بعفوية، مذهولا أمام الجائزة، جائزة الخسارة، فلم يكن يتوقع أجراً لهديته سوى ابتسامة شكر، هذه هدية لا تقدر بمال يا روشين، رحلتي ليس هذا أجرها، ثمن الجرة الذهبية هو العروس نفسها، وأنا أريد نظرة من العيون تضرب سلاماً حقيقياً لا حرب فيها.

 

لكنه لم يدر كيف يتصرف، أخذ نصف الليرة المعدنية وغادر مكسورا، يحمل طعنة في الصدر، وينزف من جرح في قلبه عنبا وحصرما حامضا، لقد خسر أكبر صيد في حياته، وقدر أنه كان يمكن أن يرفضها مثل أبطال الأفلام الهندية، لكن الميدالية باغتته، فاحتار، الحصرم هذا لا يقدر بثمن يا روشا، فتح يده على نصف الليرة، أجرة فلم سينمائي، بعد الانتظار على الباب ربع ساعة، نصف ليرة لا تكفي دخولا كريما، فالأجرة هي ستون قرشا. كانت قطعة معدنية حامضة جدا، لعناقيد حامضة، حمضها يذيب العظام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان