شعار قسم مدونات

هل الحدود والتعازير في الإسلام كما تصورناهما؟

blogs - مكتبة إسلامية
هناك تصور نمطي وتقليدي لحقيقة الحدود والتعزير في الإسلام، وهذا التصور له دوافعه التاريخية والاجتماعية والنفسية التي ساهمت في صياغة نظرة تسيء لروح القانون في الإسلام، كما ساهم بعض الدعاة في تطعيم هذا التصور السقيم المتّسم بالجفاء والفارغ من الروح والمعنى، لذلك ارتأينا تحبير هذا المقال، ساعين بإذن الله لإبراز حقيقة القانون في الإسلام كما نتصورها.

جدلية الحد والتعزير الروحي والمادي
إن التقرير القانوني في الشرع الإسلامي يتسم ببعدين ضروريين وجوهريين لإنجاح عملية الأمن المجتمعي، بعدٌ يهتم بالنسق الروحي وبعدٌ ثاني يتناول النسق المادي للإنسان! فالإنسان كما هو معلوم روح ومادة، فكونه كذلك وجب لزاما احترام هذه المعادلة الربانية، فالبعد الروحي يتمثل في تفعيل الضمير داخل روح الإنسان الذي من شأنه كبح جماح النفس عن نزوعها للاضمير بتحقيق نور يدب في الجسد الإسلامي، يجعل الإنسان يعزف عن اختراق القانون الذي يؤدي في غالبيته إلى تهديد الأمن المجتمعي سواء كان بين مسلم أو كافر، بل غياب هذا البعد يهدد الأمن الوجودي!

فالقانون في هذه الصورة يتجلى في الضابط التعبدي الذي يدفع المرء لاستحضار مراقبة الله أثناء حركته في الحياة، وعندما نقول حركته في الحياة فنقصد المعنى الكوني، أي أينما حل وارتحل المسلم الحامل لقانون الروح فهو محدود بحدِّه! ليس بالضرورة في المجتمع الإسلامي فحسب؛ بل حتى لو وجد في مجتمع بدائي متوحش فهو ينضبط بهذا القانون أثناء تفاعله مع الوجود! وطريقة عمل هذا القانون له صورتين:
– صورة قبل خرق القانون والتي تتجلى في إلحاح الضمير على عدم اقتراف المعصية
– وصورة تأتي في وخزات قاسية للضمير بعد الوقوع في المعصية!

وعندما يعجز هذا القانون الروحي على ضبط حركة المسلم يتدخل القانون في بعده المادي ليؤدب عدول النفس عن حقيقتها التي يريدها الإسلام وهي حقيقة مبدأها احترام الإنسان والوجود! ويأتي هذا القانون إما في صيغة حد أو تعزير، وعندما يتحقق على النفس الشاذة، فهو في نفس الوقت يحقق توتراً في النفس السليمة التي لم تجترح سيئة، مما يجعلها تستحضر البعد الحدي والتعزيري، في حالة تفكيرها في اختراقه "وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ".


هل تساءلنا يوما عما يجعل شباب القرن 21 يحقق عدولا عن المعصية عندما تتسنى له فرص جمة في تحقيق خرق عملية القانونية المادية؟ الجواب يكمن في البعد القانوني الروحي الذي يحول دون ذلك
هل تساءلنا يوما عما يجعل شباب القرن 21 يحقق عدولا عن المعصية عندما تتسنى له فرص جمة في تحقيق خرق عملية القانونية المادية؟ الجواب يكمن في البعد القانوني الروحي الذي يحول دون ذلك
 
التفعيل المادي للقانون عرض لا أصل
ولكن هذا التفعيل ينبغي أن يكون عارضا في المجتمع الإسلامي على خلاف التفعيل الروحي للقانون، فهو الأصل والأساس التي تتمحور عليه عملية الكبح القانونية الروحية، عندما يتحقق هذا الأخير في المجتمع الإسلامي يصير الأول تفضلا وزيادة وعرضا وعرضيته هاته تظهر في حالة الشذوذ، أي في صورة مسلم زلت قدماه فوقع في المعصية وتحققت فيه تلك الشروط التي لن تنطبق كليتها إلا على شواذ المجتمع، وكثيرا ما رأيت أن المحدود شاذ في المجتمع الإسلامي، وصرامة الشروط المقررة خير دليل كما سنرى.

مثال للمسلم المتشبع بالقانون الروحي
 إنها صورة ذات عبرة قوية عندما عاد وهج الضمير لذلك الرجل الفار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معترفا بذنبه فزعا متوجسا، ليس من العقاب المادي وإنما من العقاب الروحي الذي أنبَّهُ في خلوته! قائلا لنفسه: أسأت الفعل وخنت وتنكّبت عن القانون الروحي، فهو لم يخش القانون في بعده المادي بدليل إقراره بعدما كان في تمام الغنى عن ذلك، يكفي أن يتوب وينوب إلى الله، لكن في المجتمع الذي منسوبه من التوتر مرتفع وفاعلية القانون الروحي قوية لا يصبر على الفرار بنفسه تائبا، بل يهزه الضمير هزا ويلقي به بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم معترفا مقرا، لتسع توبته بعدها أهل الأرض كلها.

القانون الروحي لا يحده زمان ولا مكان بل هو كوني في الوجود
 هل تساءلنا يوما عما يجعل شباب القرن 21 يحقق عدولا عن المعصية عندما تتسنى له فرص جمة في تحقيق خرق عملية القانونية المادية؟ الجواب يكمن في البعد القانوني الروحي الذي يحول دون ذلك، ليس خوفا من القانون المادي فهو ليس من الصرامة بمكان حتى يكبح النفس، لكن الخوف من سلطة الضمير التي تؤدبك تأديبا معنويا وتٌعكِّر صفو حياتك! قد تصبر للتأديب المادي لكن لن تقدر على الحد والتعزير المعنوي الذي لا يحده زمان ولا مكان! إنّه ضرب من ضروب اللامادة! إنها فعالية الروح القوية الوهاجة كما هو واضخ في صورة ذلك الرجل الذي جاء معترفا للنبي صلى الله عليه وسلم بذنبه مقرا بمعصيته، بل القانون في بعده هذا كوني التفعيل إذ يحقق الأمن الوجودي العالمي، فالحامل لهذا القانون يؤمن من حوله حيثما حل وارتحل فلا ينتظر القانون المادي ليزجره عن اللاأمن.

إذا اعترف الزاني بالزنا عند القاضي، ثم رجع عن إقراره بعد الحكم بالحد، أو بعد إقامة بعض الحد، أو هرب، فإنه يسقط عنه الحد؛ لأن الرجوع شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات

الليونة وقوة والشروط في الحدود والتعازير رحمة من الله

 وحتى الحد بمعناه المادي فيه كبير مرونة تسمح للمحدود بالتنصل منه، وأهم ليونة هي تلك القاعدة الفقهية النفيسة القائلة ادرؤوا الحدود بالشبهات فرب شبهة صغيرة ترد حد معصية كبيرة، وللناظر أن يتساءل لما هذه الليونة في تفعيل الحد؟ لعل الجواب يكمن في صرامة الحد المعنوي الذي يتجلى في إلحاح الضمير ومراقبة الله، وهذه الصرامة أثرت على البعد المادي فجعلته لينا، إذ كيف يمكن أن تتحقق كل الشروط في فرد مدرك لما يفعل، ولك أن تنظر إلى صرامة تلك الشروط، فصرامتها ناتجة عن صرامة الحد المعنوي وانظر لبعض تلك الشروط لتطبيق الحد، وتأمل بنفسك وستعلم أنّ الأصل في التفعيل الإسلامي للقانون هو تفعيل روحي بالأساس قبل أن يأتي القانون المادي في صورة عارضة زاجرة للفعلة الشاذة في المجتمع لكون الشروط المقررة في تفعيله عسيرة التحقق، مما يوضح لنا بجلاء جوهر العملية القانونية هو الروح وليس المادة، بل المادة في حقيقتها إعادة لإحياء نور القانون في الروح.

شروط تطبيق الحدّ (المادي) على الزاني
 1- أن يكون الزاني بالمرأة بالغاً، عاقلاً، حراً، مختاراً، عالماً بالتحريم، مع انتفاء الشبهة.

2- تغييب حشفته الأصلية كلها في قبل امرأة.
3- انتفاء الشبهة، فلا حد على من وطئ امرأة ظنها زوجته.
مع هذه الشروط الدقيقة فإن حدّ إقامة الزنا لا يثبت إلا بالإقرار: بأن يقر بالزنا من عُرف بالعقل مرة واحدة، ويقرّ به أربع مرات مَنْ كان متَّهماً في ضعف عقله. وفي كليهما يصرح بحقيقة الوطء، ويستمر في إقراره إلى إقامة الحد عليه.
الشهادة: (ولك أن تتصور كيف لعاقل يزني في مكان وعلى هيأة معينة تسمح لأربعة شهود بأن يشهدوا عليك بحقيقة الزنا).

بل الأعجب من ذلك أنه إذا اعترف الزاني بالزنا عند القاضي، ثم رجع عن إقراره بعد الحكم بالحد، أو بعد إقامة بعض الحد، أو هرب، فإنه يسقط عنه الحد؛ لأن الرجوع شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات. فاعجب ما شاء لك العجب في رحمة الإسلام حتى في تفعيل القانون المادي.

لكن نجد التناول التشكيكي لهذه المسألة يتناولها في صورة أحكام قيمة؛ يرسلها وابلا على كاهل العوام وأنصاف المثقفين ليدخلهم في دوامة توترية، وطعم هذا المسلك -مع كامل الأسف- يأخذ التداول الفقهي المعاصر لهذه المسائل بطرق تنظيرية تجزيئية مقتصرة على مادية القانون متناسية الضرب الروحي الأساس في القانون.