ابن عاشور وحكم زواج المسلمة من كتابّي

blogs - زواج 2
التشكيك في المسلّمات،وإعادة النّظر في القطعيّات،ودحض ما أُجمع على حكمه من منطلق العقلوالتشهّي، كلُّ ذلكوغيره هو شُغل -بني عقلان- كما أُسمّيهم، أولئك الذين تجاوزوا مرحلة التبرير لإلغاء الأحكام الشرعيّة الربانيّةوتحيّيدها عن واقع النّاسوقد نجحوا في ذلك، إلى مرحلة ضرب هذه الأحكاموإقناع السواد الأعظم بعدم صلوحيّتهاوربّما إقناعهم بخطئهاوهم لا يتورّعون عن ذلك قيد أُنملة! لأنّهم يعلمون يقينا أنّ "الأحكام الربّانيّة" مركوزة في أعماق العامّة، تهفو كلُّ فطرة سليمة إليها غير آبهة بصدّ الفِطٙر المنتكسة عنها!
 
ومن هذه الأحكام الثابتة والمُجمع عليها التي طالتها أيادي هؤلاء المتقوقعين على نظريّاتِ "أُفيونيّة الدين" و"دُغمائيّة المقدّس" و"صنم أيديولوجيا الدين"! الذين أقنعوا أنفسهم ومن اغترّ بهم أنّه لا تحرّر ولا انعتاق إلا بالقطع مع "الموروث" و"الهويّة"! حكمُ: "زواج المسلمة من غير المسلم".

هذا الشقّ من هذه النخبة المتصدّرة في كلِّ منبر ومحفل شُغله مفضوح وطرحه معلوم مطروح، فأصحابه لا يُخفون عداءهم وحساسيتهم المفرطة بل واشمئزازهم من كلِّ طرح يرتكز على نصوص الوحي وعلى القواعد الأصوليّة الكليّة التي وضعها الجهابذة من فقهائنا وعلى آرائهم الفقهيّة الرّصينة والمؤصّلة، لكن ما يُقلق في كلِّ هذا أنّ يتصدّر من هو محسوب على الشّريعة والعلم والفقه ليجعل من بعض "الأحكام الشرعيّة المجمع عليها" من قبيل الأحكام الاجتهاديّة التي تقبل إعادة النّظر في حكمها وتغٙيُّر الفتوى فيها بتغٙيُّر الزّمن والأحوال.

الأدلّة في الشريعة صريحة على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم كافرا كان أو مشركا سواء كان من المجوس أو الوثنيّين أو من أهل الكتاب

فكان حكم "زواج المسلمة من غير المسلم" عند هؤلاء القوم من هذا القبيل، فبِتْنا نرى من يستثني "من غير المسلم" الكتابيّٙ بحجّة أنّه لا نصّ في الوحيين يُحرّم على المسلمة أن تتزوّج كتابيّا، إنّما المنصوص عليه تحريم زواجها من المشرك والكافر! ويقتبس من سلك هذا المسلك عبارة "لا نصّ عليه" من العلامة محمد الطاهر ابن عاشور الذي قال على زعمهم: "تزويج المسلمة من الكتابيّ لا نصّ عليه"!

فهل يصحّ هذا عن العلامة ابن عاشور رحمه الله وعاءِ العلم ويُنبوعِ الفقه والأصول والتّفسير وهو الذي لم يُعرف إلا صدّٙعًا ببيان ما أُجمع عليه من الأحكام في وُجوه المُغيّرين والمتجاوزين؟! قبل أن نُبيّن صحّة نسبة هذا الكلام للعلاّمة ابن عاشور من عدمه، كان ولا بدّ من بيان حكم زواج المسلمة من غير المسلم، وهل يدخل "الكتابيّ" في عموم "من غير المسلم"؟

تظافرت الأدلّة الصريحة على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم كافرا كان أو مشركا سواء كان من المجوس أو الوثنيّين أو من أهل الكتاب، وعلى هذا أجمع الفقهاء والعلماء سلفا وخلفا. قال سبحانه وتعالى: "وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (البقرة الآية 219). قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ الله قد حرّم على المؤمنات أن ينكحن مشركا، كائنا من كان المشرك من أيّ أصناف الشّرك"، ونٙقل أيضا عن قتادة والزّهري تفسيرهما لهذه الآية بقولهما: "لا يحلّ لك أن تُنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا، ومشركًا من غير أهل دينك" (تفسير الطبري 370/4).

المسلمات محرّمات على المشركين منهم بالقرآن بكلّ حال، وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين
المسلمات محرّمات على المشركين منهم بالقرآن بكلّ حال، وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين
 

قال الإمام القرطبي: "أي لا تزوّجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمّة أنّ المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام" (الجامع لأحكام القرآن 72/3). وقال ابن كثير: "أي لا تُزوّجوا الرّجال المشركين النّساء المؤمنات، كما قال تعالى: "لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" (الممتحنة الآية 10) (تفسير ابن كثير 231/1).

تبيّن من آية البقرة "وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ" وكذلك آية الممتحنة: "لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" التي ذكرها الإمام ابن كثير في معرض تفسيره لآية البقرة السابقة، تحريمُ الشّارع لزواج المسلمة من غير المسلم، وهو حكم عامّ يدخل فيه الكافر والمشرك نصرانيّا كان أو يهوديّا أو مجوسيّا أو وثنيّا أو غير ذلك، قال الإمام الشّافعي: "و إن كانت الآية نزلت في تحريم نساء المسلمين على المشركين من مشركي أهل الأوثان -يعني قوله: "وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ"– فالمسلمات محرّمات على المشركين منهم بالقرآن بكلّ حال وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين" (أحكام القرآن للشّافعي 189/1).

كذلك قال الإمام الكاساني الحنفي: "و النّص وإن ورد في المشركين، لكن العلّة وهي الدعاء إلى النّار يعمّ الكفرة أجمع، فيتعمّم الحكم بعموم العلّة، فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي" (بدائع الصنائع 272/2)، وقال الإمام مالك: "ألا ترى أنّ المسلمة لا يجوز أن ينكحها النصرانيُّ أو اليهوديُّ على حال…، ولو أنّ نصرانيّا ابتدأ نكاح مسلمة كان نكاحا باطلا" (المدوّنة الكبرى 301/2).

يُخطئ ولا يزال من شُغله البتر والقطع والتّحريف في النصوص وأحكام الشريعة، ويضيع صنيع المشكّكين والمتّهمين ويتلاشى أمام أحكام الله الثّابتة والخالدة

وقد أجمع العلماء على هذا الحكم، قال ابن قُدامة: "وإن أسلمت الكتابيّة قبله وقبل الدّخول تعجّلت الفرقة سواء كان زوجها كتابيّا أو غير كتابيّ، إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم" (المغني 129/7).

فهل خفي هذا عن العلاّمة ابن عاشور؟ وما قصد ابن عاشور بعبارة "لا نصّ عليه" إن صحّت نسبتها إليه؟ إنّ التثبّت من نسبة هذا الكلام لابن عاشور من اليُسر بمكان، فلو فتحنا تفسير التّحرير والتنوير وتحديدا على تفسير قوله تعالى: "وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِات حَتَّى يُؤْمِن" لو جدناه يقول الآتي: "فبقي تزويج المسلمة من الكتابي لا نصّ عليه ومنعه جميع المسلمين.." (التّحرير والتنوير 360/2)، وفي هذا السياق يقول أيضا: "و قوله "وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ" تحريم لتزويج المسلمة من المشرك، فإن كان المشرك محمولا على ظاهره في لسان الشّرع فالآية لم تتعرّض لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي.

فيكون دليل تحريم ذلك الإجماع وهو إمّا مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتواتر بينهم، وإمّا مستند إلى تظافر الأدلّة الشرعيّة كقوله: "فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" فعلّق النهي بالكفر وهو أعمّ من الشّرك" (التّحرير والتنوير 362/2)، بل وجدنا ابن عاشور يُعلّل سبب التّحريم ويُبيّن مقصده وهو الأستاذ المُبرِّز في ذلك بقوله: "… فأباح الله تعالى للمسلم أن يتزوّج الكتابيّة ولم يُبح تزويج المسلمة من الكتابي اعتدادا بقوّة تأثير الرّجل على المرأة…" (التّحرير والتنوير 363/2).

فيظهر جليّا أنّ من اتّكأ على هذه العبارة: "لا نصّ عليه" قد عمد إلى البتر وقطع الكلام عن سياقه، فمقصود ابن عاشور من "لا نصّ عليه" ما تعارف عليه علماء الأصول من تعريف "النصّ": وهو الصّريح من اللّفظ الذي يُفيد معناه بنفسه، ولم يقصد أنّه لا دليل، فالأدلّة متظافرة كما سبق على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم كائنا من كان.

ما كان لابن عاشور أن يُخطئ في هكذا مسألة، ولكن يُخطئ ولا يزال من شُغله البتر والقطع والتّحريف، ويضيع صنيع من هذا شُغله مع صنيع المشكّكين والمتّهمين ويتلاشى أمام أحكام الله الثّابتة والخالدة والمحفوظة "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر الآية 9).