في اختلافات فكر الشهيدين

مدونات - سيد قطب

كنت قد اطلعت على كتاب لمؤلف شيعي مشهور اسمه: صالح الورداني، يتحدث فيه عن الفرق المنهجي في الفكر الحركي بين الشهيدين حسن البنا وسيد قطب، رحمهما الله.

 

ورغم أن هنالك من الباحثين من كتب العكس تماما وبين أنهما من نفس الفكر، سواء من خلال جمع أقوالهما ومقارنتها، أو من خلال دراسة مستفيضة عن تراثهما، فعل ذلك محمد أبو فارس وسالم البهنساوي ومحمد المنتصر الريسوني وصلاح شادي ومحمد قطب وغيرهم.

 

إلا أنني في الحقيقة أرى أنه من الخطأ الفادح المقارنة بينهما، فمع أنهما من نفس ولدا في نفس التاريخ (عام ١٩٠٦م) وتخرجا من نفس الكلية "دار العلوم"، لكنهما فكريا عاصرا مرحلتين مختلفتين كليا.. فعصر الملك فاروق كان عصرا بسيطا، لم يكن عصر أفكار متصارعة، بل مجرد "ملك" يريد الحفاظ على عرشه بدون أي أيديولوجية، وإن فسد في آخر عهده.

لذا رأى البنا بعد سقوط الخلافة أن المسلمين محتاجون إلى تجمع ما، تتوحد فيه جهود الأمة وطاقاتها، بعد أن وجد حال الدعوة الإسلامية كما يلي:

 

الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (1906-1949م) (مواقع التواصل)
الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (1906-1949م) (مواقع التواصل)

 

السلفيون: (الجمعية الشرعية التي أسسها الشيخ السبكي عام 1880 وكذلك أنصار السنة التي أسسها الشيخ الفقي عام 1920 تقريباً) وكان انشغالهم منصباً على إحياء التراث القديم.

 

الصوفيون: غالبهم يعاني ما يعانيه من انحراف، وقد ذكر شيئاً من ذلك البنا في مذكراته، ولعله استفاد من تجربة شيخه محمد رشيد رضا الذي ناظرهم وحاورهم إلا أنه لم يخرج معهم بأي نتيجة! ملاحظة: تصوف مصر غيره في بلاد الشام.

الأزهر: مشغول بفك طلاسم علوم الآلة.

المفكرون الإسلاميون: نخبويون لا يظهر جهدهم إلا في الصحافة، في زمن تفشي الأمية الشعبية.. لذا رأى الحل للنهضة الإسلامية بتنظيم جماهيري، ينصهر في جماعة توحد الجهود وفق مفهوم "شمولية الإسلام" مع بناء فكري مناسب، ليبرز في جماعته مفكرون أمثال عبد القادر عودة ومحمد الغزالي والبهي الخولي وسيد سابق وعبد العزيز كامل وغيرهم.

عصر جمال عبد الناصر: فقد كان عصرا جديدا مختلفا كل الاختلاف، حيث برزت فيه جبروت القوة مع طغيان الأيديولوجية "القومية والشيوعية والفلسفات اللادينية المتعددة كالوجودية.." وهنا وجدت الجماعة "ما بعد البنا" أن التنظيم وحده لا يكفي فلابد من بناء فكري مختلف يجابه ما عند الآخرين، فقامت بترجمة كتب المودودي الذي جابه هو أيضا أيديولوجيات متعددة في بيئة مشابهة، ليبرز كصدى لذلك سيد قطب وآخرون.

من ناحية أخرى يرى الأستاذ محمد قطب في كتابه "كيف ندعو الناس"، الذي يلخص فيه منهجه الفكري والحركي، أن الإمام البنا، رحمه الله، له مذهبان: قديم "فيه رفق مع الحاكم.."، وجديد "فيه المفاصلة مع الحاكم.."، حيث يذهب إلى أن البنا كان في بداية دعوته يرى أفضلية أسلوب اللين والرفق في الدعوة مع الحاكم الذي لا يطبق الشريعة الإسلامية، لكن مع طول تجربته وازدياد خبرته، وجد أنه لا بد من المجابهة القوية مع هذا الحاكم لكي يطبق الشريعة.

 

المفكر الراحل محمد قطب الذي وافته المنية مؤخرا في السعودية (1919-2014م) (ناشطون)
المفكر الراحل محمد قطب الذي وافته المنية مؤخرا في السعودية (1919-2014م) (ناشطون)

 
ويؤيد محمد قطب رأيه هذا بمقالة كتبها الإمام البنا في أواخر حياته بعنوان "معركة المصحف.. أين حكم الله؟" وقد نقلها كاملة في كتابه الشهير "واقعنا المعاصر"، ثم عقب بما معناه: إن الامام الشهيد لم يسعفه الوقت لكي يوضح للجماعة مذهبه الجديد، فأحداث فلسطين شغلته وشغلتهم، بالإضافة إلى استشهاده المفاجئ، وبناءً عليه فالجماعة ظلت على منهجه القديم بينما الشقيقان: "سيد ومحمد قطب" هما على مذهبه الجديد.
 

ليس بالضرورة أن يكون الأخ أعلم بأخيه فللجماعة فكر واحد وسيد قطب ينتمي إليه ولا يخالفه، وإنما أسيء فهم تراثه

يُذكر أن الأستاذ محمد قطب كان قد كتب مقالة في جريدة الشهاب اللبنانية -بعد الجدل الذي أثاره على صفحات الجرائد المؤرخ الفلسطيني ومسؤول الإخوان في لبنان عبد الله أبو عزة حين هاجم فكر سيد قطب في بداية السبعينات مما أدى إلى فصله من الجماعة من قبل التنظيم الدولي، الذي اعتبر أن أبو عزة تجاوز الخطوط الحمراء- يقول فيها أن سيد قطب، رحمه الله، مات على فكر الإمام البنا وجماعة الإخوان المسلمين، وقد ذكر المقالة كاملة صلاح الخالدي في كتابه عن سيد قطب.

 
هذا الكلام رفضه المفكر الإخواني المعروف المستشار سالم البهنساوي رحمه الله، جملةً وتفصيلاً، ورد على كتاب "واقعنا المعاصر" بكتاب سماه "شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر" وأوضح أن هذا الكلام خطأ بأدلة متعددة.

 
فليس بالضرورة أن يكون الأخ أعلم بأخيه -ربما يقصد كحال الشيخ سلمان مع أخيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب- فللجماعة فكر واحد وسيد قطب ينتمي إليه ولا يخالفه، وإنما أسيء فهم تراثه.. ولذا قام المستشار البهنساوي بالدفاع عن فكر سيد والجماعة بعدة كتب منها: "أضواء على معالم في الطريق" و"سيد قطب بين العاطفة والموضوعية" و"فكر سيد في ميزان الشرع".

 
ملاحظة أخيرة: حاولت جاهدا البحث عن علاقة جمعتهما في مرحلة الدراسة وما بعدها.. فلم أجد، وقد قيل لي إن الأستاذ خالد محمد خالد قد تكلم في مذكراته عن شيء من هذا، لكني للأسف لم أجد بغيتي خلال مطالعتي إياها!