شعار قسم مدونات

بلا وطن

blogs - hangarian

الوطن ليس أرض آبائي وأجدادي ومسقط رأسي فقط، بل هو الأرض التي نشأت فيها وترعرعت، احتوتني وشعرت فيها بالأمان والاطمئنان ارتبط مصيري بها وأصبح لي فيها ذكريات جميله بها الأهل والأصدقاء وكل نفع مادي ومعنوي، الوطن التاريخ والتراث والأمجاد والبطولات.

       
أما الوطنية، فهي تلك المشاعر النبيلة التي تهزّ كيان معظم البشر وتشعره بالانتماء وبترسيخ هويته، وتقوّي فيه أواصـر الاتصال بأرضه وأهله وشعبه، وأفضل شيء للإنسان أن يكون وطنياً في حسّه وفي سلوكه، إذ لا يكفي أن يفخر الإنسان بأنه وطنيّ، إنما يجب أن يترجم ذلك الشعور إلى واقع، وأن يتحمل التضحيات التي تترتب عن ذلك مهما كانت جسامتها وعواقبها، فالتعبير عن حب الوطن بالكلام والخطابات الجوفاء من دون قرنها بالعمل، إنما هو في الحقيقة تمويه وكذب وبهتان.

        
وهنا تبرز أهمية الوطن وقيمته هنا يجب مواجهه كلّ واحد يجهل معنى الوطن، كل من يتعامل مع الأعداء من أجل تحقيق مطامعه الخاصة، فالوطن أغلي من كل شيء ومن أجل رقيه ورفعته نتحمل كل شيء. فما قيمة الإنسان بلا وطن! قد تشعر أنك تائه في ذاتك عندما تفقد وطنك وأعنى بالفقد ليس الضياع الكلى ولكن يكفي عدم شعورك بالأمان وعدم استطاعتك مزاولة نشاطاتك التي اعتدت عليها حرصا على حريتك وآدميتك حرصا من أن تغيب خلف القضبان وتعذب أبشع ألوان العذاب وربما تقتل دون محاكمه أو سند اتهام أيعقل هذا وكيف يكون!

   
عندما تغيرت الأحوال السياسية بأحد بلاد الربيع العربي قبل أربع سنوات كان هناك شاب يؤيد الرئيس المنتخب في بلاده ويحبه ويؤمن بصدقه وحبه لوطنه هذا الرئيس تم الانقلاب عليه وأودع في السجن هو ومؤيدوه، وكان الشاب المسكين المسالم يعيش وسط أهله وجيرانه في حب ومودة كان لديه عملا مرموق بأحد أكبر الشركات، وعقب ما تم من انقلاب بادرت أجهزه القمع الأمنية بملاحقة كل مؤيد ومناصر للرئيس الفعلي فأصبح بلا أي ذنب طريداً بسبب فكره السياسي ودفاعه عن رأيه وتمسكه بحرية التعبير عنه، وتمت ملاحقته في مسكنه فغاب عنه وفى عمله فغاب عنه وتم تتبع الأهل والأصدقاء والأقارب فغاب عنهم كل هذا داخل وطنه فأصبح غريبا يشعر أنه لا مأوى بلا أمان بلا وطن على أرض وطنه.

          

أصبح قلبه في صراع، يتصارع بين وطنه الأصلي الذي فيه أهله وأصدقائه وبه ذكرياته والذي تركه رغما عنه، وبين الذي فيه حريته وأمانه
أصبح قلبه في صراع، يتصارع بين وطنه الأصلي الذي فيه أهله وأصدقائه وبه ذكرياته والذي تركه رغما عنه، وبين الذي فيه حريته وأمانه
 

رحل يبحث عن وطن عن أمان عن أرض يحيا فيها باطمئنان رحل عن كل شيء عن أهله وأصدقائه عن بيته وجيرانه عن عمله ولم يرحل عن نفسه ظل مؤمنا بالحرية يبحث عنها بين الأوطان، يبحث ويبحث عن الأمان الذى فقده في وطنه فأصبح غريبا فيه، قرر أن يرحل رغما عنه فمر ببلدان وبلدان وقد علم من خلال تعاملاته مع مختلف الثقافات والأديان والأعراف الفرق بين الهوية الوطنية وبين الوطن فهو يحمل هوية من موطنه لكنه بلا وطن يأويه ويدافع عنه ويكفل له حقوقه كإنسان، ويتابع من بعيد ربما تعود الحرية ويعود وطنه المسروق والذى يؤمن أن ترابه أغلى بكثير، وطنه الذى يبكيه وهو يري ما هو عليه من انهيار اقتصادي وتعليمي وسياسي وصحى وغيره.

 
ينظر الشاب المسكين في الأفق البعيد بعد أن حل بأرض عادل أهلها مسالمين عمليين صادقين مخلصين متطورون وأمناء تمنى أن تكون وطنه ويكون وطنه مثلها، ما أسعده فها هو قد وجد ما يريد بعد عناء رحلته خلال سنوات يبحث، شعر بالأمان وبالحرية ذاق ما لم يذق من قبل طعمه من حريه حقيقية في التعبير عن رأيه ومن تطور وتقدم ورقى في التعامل أصبح له في هذا البلد أهل وأصدقاء يحبهم ويحبونه أصبح يمتلك بيت آمن وعمل طيب ورزق كريم، ينظر في الأفق مره و مره يتصور ما مر به من أحداث جسيمه يتابع ويرى تطورات الأمور في بلده يراقبه باهتمام ويخشى فكرة الرجوع إليه بعد ما حل به وما وصل إليه من سوء فالعودة أشبه بالانتحار.

           

يتحدث إلى أهله وأصدقائه في بلاده يقتله الحنين ويمنعه الحرص على حياته بعد ما سمع ورأى بعينيه كم من قتيل وسجين ومحكوم عليه بالموت وبين مطارد ومختفى، لا لشيء إلا لأن الجميع قالوا نريد الحرية نريد الكرامة نريد التعبير عن أرائنا في مناخ سياسي وديمقراطي عادل نريد أن نقترب من الغرب في تقدمه وديمقراطيته فأصبحوا غرباء بلا وطن في داخل بلادهم وخارجها.

 
أحب الوطن الذي وجد فيه كل ما يتمناه وبرغم أنه لم يولد فيه وليس وطنه فهو يوفر له سبل الأمن والأمان يكفل له كل حقوقه كإنسان فأصبح قلبه في صراع، يتصارع بين وطنه الأصلي الذي فيه أهله وأصدقائه وبه ذكرياته والذي تركه رغما عنه، وبين الذي فيه حريته وأمانه. ثم يجيب على نفسه لا صراع ولا هويه ولا وطن إلا الذي نحيا فيه بحرية وكرامة نتمتع فيه بآدمتينا نستطيع أن نقيم شعائرنا الدينية دون خوف أو اضطهاد نتمتع فيه بحياة صحية واجتماعيه راقيه نمرض فنجد المعالج والعلاج نعمل فنجد المقابل المجزي دون ظلم، نتخاصم فنجد العدالة الحقيقية تفصل بيننا.

  
فهل تراه سيظل بلا وطن بعد أن علم جيدا أن الوطن هو أرض الحرية والكرامة والأمن والأمان بعد أن علم الفرق بين وطن الهوية والمواطنة بعد ما رأى العدالة وعاش على أرض عادل أهلها أتراه يتحقق حلمه يوما ويصبح ذو وطن كل من بلا وطن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.