حتى الوساطة لم تفلح!

Blogs- صومال

بلاد خصبة بالشباب اليافعة، ومازالت تحظى بالمزيد، وبهم تكمن قوى الشعوب المستقبلية، وعلى حسب ما قرأناه بين ثنايا الكتب واورد لنا الكبار فهذه الفئة لها شأن عظيم وفضل كبير لمن في دائرتهم، وحاز حشدا كبيرا منها، فهي من أقامت الثورات وبنت الدُول، وقامت بتغيير الأنظمة المستبدة، ليس إلا أنها القوة النشطة ومفتاح الدول نحو الازدهار والتطور.

            

ولكن بالمقابل -وفي نفس هذا البلد- نشأت هذه الفئة بين أنقاض الحروب والدمار، ونزاعات العساكر والعشائر، ولم يتسنى لها أن تحظى بضروريات الحياة من الأمن والصحة والتعليم وأهم من ذلك فقد نظام يدير البلاد ويحسّسها بأهمية المواطنة والحفاظ على القانون. وجلّ ما عرفوه هو سيادة القبيلة وشروعات السلاطين وهي آفة أصابت البلاد وانتقلت إلى العباد.

             
ومع تلك المصائب والابتلاءات، فقد تمكّن الشباب من تجاوز عن اللحظات العصيبة، وبنوا آمالا نحو المستقبل والحياة الواعدة لعله يشفي آلام الماضي ونكبات العصر، فقاموا ببناء لبنات ثقافتهم وزيّنوها بالعلوم والمعارف، وقدّموا الغالي والنفيس لإكمال مسيرة التعليم، وكان التحفيز الذاتي شعارا لهم، وحازوا على الدرجات تلو الأخرى.

 
ومن هنا آن الأوان أن يترجم الشباب أحلامهم إلى واقع حياتي ملموس، ويتذوقوا طعم ما بذلوا من الجهود لأجله وقطف ثماره، في لحظات حاسمة والتي تحمل في طياتها على الأفراح والأتراح معا، ويتردّد في أسماع الشباب وكما كان دوما أنّ المثقّف محظوظ ومستقبله واعد بكل السبل، فبين هذا وذاك يجول في خاطرهم الأمل والهمّ والخوف، فهي لحظات يعرفها كثيرون منا وإن لم يكن كلنا. في تلك اللحظة الحاسمة والمهمة في حياة الشباب، يقف أمامهم شبح التحدي وعدو متمرد ينهش مجهودات الشباب وجلّ ما بذلوه في السنين الطوال، إنه "الوسيط"، فهو اختبار جديد في وجه كل شاب يأمل أن يبني مستقبله بعد مسيرة المعرفة، وهو اختبار يصعب تجاوزه.

  

بات طلب الوظيفة والسعي لها أمر في غاية الصعوبة في وجه طالبيها، ومن لهم الحق الأكاديمي والثقافي فيها!

وفي بلادنا له طابع وطعم خاص، لا يشاركه غيرنا، لأنه مبني على القبلية والعشائرية والتقارب بالدم، وإنه نادر من نوعه، لأن الرشوة ترتبط بالمال أما هذا فيرتبط بالنسب، فهذا يعني أن الذي لا ينتسب للقبيلة الفلانية لا يحظى بالاهتمام والقبول لدى لجنة التوظيف، إنه الخزي والعار على أمة اتسمت بهذه الصفة ولوثت سمعة الوطن بهذه التصرفات الدنيئة، فلا خيار لدى الشباب، إذا فهل يمكن شراء النسب؟

        
وما يحرقني من القنوط والانهزام هو تعوّدنا على هذه الظاهرة وتعايشنا معها وبها وصارت وسمة عار على جبين كل قاطني هذه البلاد العريقة والمعروفة بتسامحها وتنوعها في القدم، فهذا موت للشعب وكرامته، ومستقبله، "لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا".

        
ومن هناك توالت التفرعات والتقسيمات، حتى وصلت إلى الوحل حيث لم تعد القبيلة وحدها تؤدي مفعولها، ومن المواقف التي تحصل عند التوظيف بأن القبيلة لا تسعف الباحث عن العمل لعدم إيفائه للشروط، لأنه لم يكن في دائرة التفريع عن القبيلة، حيث لم يكتفي الأمر بقمة الهرم بل وصل إلى قاعدته، وهذا يعني أنه لا ينفع كونك في العشيرة الفلانية وإنما الفصيل المعين داخله، فهذا يدل على توغل قطاع التوظيف في وحل عميق لا يسهل التعامل معه في أي ظرف كان، وبات طلب الوظيفة والسعي لها أمر في غاية الصعوبة في وجه طالبيها، ومن لهم الحق الأكاديمي والثقافي فيها، ولسان حالهم يقول "حتى الوساطة لم تفلح".

          
وإنه ليعطي انطباعا سلبيا لدى المتعلم، والشاب الطموح حول التعليم في أصله، ويفقد الثقة والإيمان بقوة العلم ومنافعه المستقبلية والمرجوة منه. وهذا يترتب عليه كذلك العزوف عن التعليم المبني على العلمية الطليقة والاجتهاد المحمود والأصيل الذي ألفناه من السلف وأورثوه للخلف "والقادم أدهى وأمر".