شعار قسم مدونات

جريمة التفكير

blogs تفكير

قد يعتقد البعض أن هناك خطأً في كتابة العنوان لهذه المدونة وأن العنوان الصحيح هو جريمة التكفير، وأنا أتفق معكم بأن التكفير بدون وجه حق هو جريمة يمارسها كثير من الناس من دون علم أو دليل ولكني أظن أن الجريمة التي تكون أشد وقعا على مجتمعنا هي جريمة التفكير.

 

 والدافع الذي دفعني أن أكتب في هذا الموضوع هو ابني محمد، ففي يوم كنا جالسين نشاهد التلفاز وكعادة كل الأطفال في عمر العشر سنوات لا يوجد وقت مناسب لطرح الأسئلة فكل وقت هو وقت مناسب ففاجئني محمد بسؤال حول مستقبله وسألني إذا كانت لدي مشكلة في أن يمتهن مهنة بسيطة لأنه يحبها فما كان مني إلا أن استخدم القالب النمطي للإجابة على هذا السؤال بأني أحب أن أراه مهندسا أو طبيبا أو عالما ذو شأن كبير ومن دون علم مني كنت قد حطمت أماله في أن يصبح ما يحب، فاغرورقت عيناه بدموع جاهد لكي يخفيها، نبهتني دموعه إلى ما فعلته، فقد سَقطتُ سهوا فيما أكره وأتجنب، وتداركت الأمر وشرحت له بأني أخطأت وأن ما حصل كان بسبب بقايا جاهلية التفكير لدي وأن له الحق أن يختار ما يحب وأني سأسانده لكي يمضي في اختياره مهما كانت النتائج.

 

شرعت بعض الدول قوانين تمنع مواطنيها أن تفكر في أي شيء ضد توجهات تلك الدولة، والويل لك إذا تطورت هذه الأفكار وترجمت إلى مقولة في العلن أو أسطر تكتبها على مواقع للتواصل الاجتماعي

وعلى ما يبدو أن هذه الجريمة مكتشفة منذ زمن بعيد ويحذر منها الأهل منذ نعومة أظفارنا فما أن يصبح لك رأي وأن كان بسيطا حول نوعية الطعام الذي تحب أو لون القميص الذي ترغب بارتدائه حتى تنهال عليك مجموعة من النصائح والتجارب والمؤكد من دون شك أنها جميعا صحيحة وتصب في مصلحة الطفل ولكنها بداية بسيطة إلى ما سيصبح في المستقبل مصادرة للرأي مع سبق الإصرار والترصد.

 

فنحن نمضي في حياتنا في مراحل مختلفة من مصادرة للرأي بل في بعض الأحيان تتحول تلك الأفعال إلى قوانين أو عادات يصبح من يخالفها متهما بالفوضوية والخروج عن جادة القانون، فيكبر الإنسان وصوته غير مسموع ولا ألوم هنا الأهل فقط فالكل يساهم في جزء من تلك المشكلة، فبعد أن ينتهي الأهل في البيت تُكمل المدرسة دورها فلا رأي للطالب فيما حوله ولا دور له في الحصول على العلم فهو يكافئ إذا صمت واستمع ويكافئ إذا حفظ ما في الكتاب حتى لو كان عكس قناعاته ومفاهيمه، فلا اعتراض هنا أو مناقشة فاذا فعل وتكلم فهذه قمة في عدم الاحترام ويستحق عليها العقاب وقد يصل الأمر إلى استدعاء ولي الأمر ليتفق الجميع بأن إبداء الرأي غير مقبول لا في البيت ولا في المدرسة.

 

ولن يشفع لك أنك قد أصبحت طالبا في جامعة أو معهد فما زلت ذاك الطالب المتمرد الذي يعترض على كل شيء ولم تنفع معه كل محاولات الترويض السابقة في البيت والمدرسة. ولا يختلف الأمر كثيرا في العمل فلا يحق للموظف أن يعترض على سياسة الشركة أو طريقة عملها فهو أقل خبرة وذكاء من أن يصحح ما قاله المدير أو يعارض أهداف الشركة وتوجهاتها فتقتل الأفكار الجديدة قبل أن تولد ويصنف الذي يناقش ويسأل في خانة تختلف عن الموظف الذي ينفذ ولا يناقش.

 

إذا كان التكفير من دون وجه دليل أو حجة جريمة يحاسب عليه القانون فان منع التفكير لهو جريمة أبشع وأشد وقعا على الناس والمجتمع
إذا كان التكفير من دون وجه دليل أو حجة جريمة يحاسب عليه القانون فان منع التفكير لهو جريمة أبشع وأشد وقعا على الناس والمجتمع
 

لقد شرعت في بعض الدول قوانين تمنع على مواطنيها أن تفكر في أي شيء ظاهره أو حتى باطنه ضد توجهات تلك الدولة، والويل لك إذا تطورت هذه الأفكار وترجمت إلى مقولة في العلن أو أسطر تكتبها على مواقع للتواصل الاجتماعي أو رسالة ترسلها لصديق من باب الصديق وقت الضيق فلن ترحمك هنا الصداقة ولا القرابة والواسطة وسوف تنتقل ما بين إدارات السلطة وكل له قائمة جاهزة من التهم الرنانة كتعكير مسيرة النهضة وإشاعة روح الفرقة أو أي مجموعة الكلمات التي لا تجتمع إلا وكانت من ورائها مصيبة.

 

عزيزي القارئ إياك أن تفكر في أن تفكر فالجميع يريدك آلة غير ناطقة بشكل أو بآخر، اكتب ما تشاء ما دامت لا تتجاوز الخطوط الحمراء أو حتى من تدرجات اللون الأحمر، تكلم فيما تشاء على أن لا يكون كلامك خارجا عن مواضيع الرياضة أو الفن أو أي مجال بعيد عن السلطة أو الإدارة، ولا تفعل شيئا يمكن أن يفهم بأنه حركة مضادة للمسيرة والنهضة وإلا تحرك من حيث لا تدري إلى مكان لا تدري عنه ولا تعلم.

 

إذا كان التكفير من دون وجه دليل أو حجة جريمة يحاسب عليه القانون فان منع التفكير لهو جريمة أبشع وأشد وقعا على الناس والمجتمع ونهايته بأن يولد في المجتمع من ليس له رأي أو قرار فيكون لقمة سائغة للأفكار المتطرفة بمختلف أنواعها، ومن رحم ربي منهم وحافظ على عقله تجده مهاجرا إلى بلاد لا تعطيه من الخيرات بقدر ما تعطيه من الحرية في التفكير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.