شعار قسم مدونات

الأمُّ تلميذةٌ

BLOGS الأمومة

ثمّة مسحةٌ من المستحيل فيكنّ. توليفة من الرحمة يشوبها غنج البهجة ولهفةٌ عطوف. خواطركنّ تتقلّبُ بين النعيم اللذيذ تارةً وبين الألم المُنهِك المضنى تاراتٍ أخرى. حُبُّكّن استثناءٌ يطغى على القاعدة ويتأبّى، فلا يستثني من ضمّته مكسوراً ولا مبسوطاً ولا منصوباً. حبٌ يربى على خمرة ألمٍ محمود ووجعٍ معقودٍ بالرأفة. شطر الضفيرة هناءٌ واصلٌ من العليّ كالسلسال يقطر من عينٍ في جنّة عالية وشطرها الآخر قلقٌ أرِق يقتاتُ ويربى عند قدم مهجةٍ ضرِمةٍ مهاجرة. أمومتكنّ وضعيةٌ بينيةٌ لا تقرُّ على حالٍ واحدة، هي ذلك اللبن الذي بالكاد يسيغُ بين فرثٍ ودم. مَثَلُكُنّ كمثل أرجوحة.

 

آنيّةٌ هي كتسبيحةٍ مضارعةٍ تنزع كل مَزيد، ولا تبقي لكِ إلاّ على أقلّ الكفاف وأخشنه. عزيزةٌ لا تقبل المساومة، منيعةٌ لا ترضى بأن يشاركها فيكِ أحد. تعيش في حضور الأنثى مريميةِ الأنس، وسيلتها إليكنّ وليدٌ يفرض نفسه على الأحضان بلا مقدّمات، مستدعياً دلو حضورك الصحيح سالماً من آبار الشغلان.

 

 الأمومة على قدر ما هي هبة مقدسة فهي فتنة، رعاية النفس وحبّها أمرٌ يُجبلُ عليه المرء، أمّا رعاية الآخرين ورعاية مصالحهم والإيثار على النفس فيحتاج إلى ترويض وتأديب
 الأمومة على قدر ما هي هبة مقدسة فهي فتنة، رعاية النفس وحبّها أمرٌ يُجبلُ عليه المرء، أمّا رعاية الآخرين ورعاية مصالحهم والإيثار على النفس فيحتاج إلى ترويض وتأديب
 

تأتي فتباغت، ولا يعنيها من كنتِ قبل هذا، لا يثير إعجابها ما قال في فلا قصص الجدّات ولا الخالات أو العمّات ستفيدكِ فتقرأ لك طالعك في سمائها الرخيمة ولا أيّ كمٍّ زاخرٍ من نصح أدب التوقعّات ستهيئُ نفسك الجاهلية وتخبرها بأحوال الضفَّة البعدية. تستوي في مطعمِها صنوف الفاكهة، لا فضلَ للتفاح من النساء على نظيراتهن الأناناسات، إلاّ بقدر ما جادت إحداهنّ بنفسٍ نفيسةٍ كانت، فذلّلتها وأخفضتها بلا وارد فكرٍ عند بنان وليدٍ واهن.

 

أمُّنا الأمومة هذه ليس من عوائدها دقّ الأبواب، ولا كان الاستئذان يوماً من شمائلها. إذا ما مزقّت خيوط منوال العادات فلا نَنتظر اعتذاراً منها. بل لا يكون لنا وقتٌ للتفكّر في واحد. يقول المختصّون بأنّ ذكاء المرأة يقل مع تأمُمِّها. نعم ينفتق دماغ المرأة من وظيفة حفظ عافيتها ويتآمرُ عليها في أحجيّةٍ من دهاء الطبيعة المُودَعة. ينفّكُ عن خدمتها ليصبح طوع الكائن الممتدّ عنها.

 

يضيق على بعض النساء أن يقال أنّ الأمَّ رمزٌ للتضحية، اذ تبدو لهم فكرةً تنبع من عقليةٍ هلاكية مسيرية تمجِّدُ تبديد النفس، فتتكاثر المنشورات التي تحذِّر الأمّ والمرأة بشكلٍ عام من أخطار وويلات العطاء بلا حساب. منبهةً إياها من عواقب بخس نفسها وتوعيّها بأهميّة إخراج دفتر الحسابات والتسجيل حتّى لا ينتهي بها المطاف يوماً كقربانٍ بائسٍ للعائلة السعيدة. لا غرابة في هذه الملامح إذا كانت المُثُل التي تسود في المجتمعات اليوم تمجِّد الفرديّة، صنم اليوم والأمس ما زال هو الفرد، بأهوائه ونزعاته وطموحاته، بيد أنّه اليوم منمّقٌ ومسوّقٌ بذوقٍ محبّبٍ لابن وبنت العصر الفاهمين.

 

الأمومة اختبارٌ مستمرّ لا يمكن أن تتنصّل منه الأمّ، هي صفةٌ على التأبيد. لا يرقد حالها على حال بين رضىً وبين تأنيب

في طيّات هذه الرؤية إشاراتٌ ضمنية تمحقُ كل سعيٍ لا ينطوي على تحقيقٍ لهذه الفرديّة المُغتَّرَة. لكن ثمّة خاصيّة روحانيةً لا يمكن أن تزهر في أرض النفس التي لا تُعانِدُ نفسها، وفي لبّ الأمومة مَثَلُ العناد الجهيد. الأمومة على قدر ما هي هبة مقدسة فهي فتنة، رعاية النفس وحبّها أمرٌ يُجبلُ عليه المرء، أمّا رعاية الآخرين ورعاية مصالحهم والإيثار على النفس فيحتاج إلى ترويض وتأديب، وتفكيرٍ خارج غلاف الفرد المُشتّد.

 

أن يجافي النوم جفن الأمّ رعايةً لصغيرها حبوٌ صوب أول مراتب تربيّة الذات. أن تكون دائماً على أهبّة الاستعداد للعطاء في أي لحظةٍ من لحظات اليوم، فيلتحمُ ليلها بنهارها، أن تهب وقتها الذي هو مادّةُ حياتها لبنيها، بلا انتظارٍ لمقابل ماديٍّ أو معنوي أو نتائج نتبجّح بها أمام الآخرين. أن تقوم عليهم بإخلاصٍ وبتفكّرٍ لمعجزات الطفولة اللحظية، دون الوقوع في فخّ "التوقّعات" التي تخرجنا من نعيم اللحظة وأنس الرضا. الأبناء ليسوا مشروعاً نُخفِق فيه أو ننجح، هم عطايا ربّانيّة تربّي في المرء الإيمان أو تفتنه، فَتَميز الصابر الزاهد من المتعجّل المنفعل. الأبناء هم أدوات لترقيّة النفس متخفيةً في هيئة عطايا. أولئك الذين لم تغيّرهم الأبوّة والأمومة ولم تقلب كيانهم قلباً حرموا أنفسهم من فرصةٍ صادقةٍ لاصطفاء القلوب.

 

تتواتر المأثورات بأنّ من علامات قبول العبد وعتقه بُعَيد إتمام رمضان اكتسابه لعاداتٍ جديدة حسنة أو إقلاعه عن أخرى قديمة ناقصة. التغيّرات المعدنية في نفس المرء لا تحصل إلاّ بخبر الافتتان والنجاة منه بقلبٍ أسلمَ ونفسٍ أحلم. الألم ليس فقط وخزة حسيةً توجع هكذا بلا وجهةٍ ولا غاية. الألم تربة الأمل وجبلة الحبّ الاستثنائي. هذه ليست دعوةً لأن تفني الأمُّ نفسها وتنبذها، بل خاطرٌ لأن تتمثّل الأمُّ التضحية ولا تتوارى منها، أن تعطي نفسها فرصةً لاختبار المستحيل. أن تسمح له بأن يجرفها للأنبل والأرقى. ما الأّمّ دون تضحيّة؟ وإن لم تضحّي الأمهات فمن سيضحّي إذاً؟ ولماذا الضغط المستمرّ للتخفيف من طيف الحساسية الوجدانية الإنسانية؟

 

امتحان الأمّ الأكبر أن تكون حاضرةً وهي برفقة أبنائها. ألاّ تراودها أمنياتٌ بمكانٍ آخر، بأحاديثٍ جانبيّةٍ هامسة. أن تدرك مكانها وتملأ حيّزها بطواعيّةٍ سارّةٍ، دون كراهيةٍ أو إكراه
امتحان الأمّ الأكبر أن تكون حاضرةً وهي برفقة أبنائها. ألاّ تراودها أمنياتٌ بمكانٍ آخر، بأحاديثٍ جانبيّةٍ هامسة. أن تدرك مكانها وتملأ حيّزها بطواعيّةٍ سارّةٍ، دون كراهيةٍ أو إكراه
 

الأمّ مدرسةٌ وأكبر من كل المدارس، لكنّها أيضاً تلميذةٌ في هذه المدرسة، تصيب وتخطئ، تجتهد وتجاهد. تُمتَحنُ الأمُّ كلّ يومٍ في صبرها، في أناتها، أتطلِقُ العنان لجموح غضبها، لحزنها، لقلّة حيلتها أم تصبر وتكظِم فتحتلم وتجني آفاقاً قلبيةً أشرح. أتحاول أن تفهم وتسبر غور أبنائها أم تنفعل انفعالاً يصدحُ ولا يُصلِح.

 

امتحان الأمّ الأكبر أن تكون حاضرةً وهي برفقة أبنائها. ألاّ تراودها أمنياتٌ بمكانٍ آخر، بأحاديثٍ جانبيّةٍ هامسة. أن تدرك مكانها وتملأ حيّزها بطواعيّةٍ سارّةٍ، دون كراهيةٍ أو إكراه. الأمومة اختبارٌ مستمرّ لا يمكن أن تتنصّل منه الأمّ، هي صفةٌ على التأبيد. لا يرقد حالها على حال بين رضىً وبين تأنيب. تبرز منها النفس اللوامّة في دور البطولة على مسرح الأمومة وتتقّد حدتّها فتراجع نفسها -لا أبنائها- فيما فعلت وفيما تفعل وفيما لم تفعل حدّ الإنهاك.

 

هي رحلة ترقٍّ للعلا لكنها مسيرةٌ متعرجة اعتباطية، مؤلمة، ممتعة، تلتهبُّ عطفاً بيد أنّها إلى الكمال فقيرة. هي مهنة مستحيلة فلا ينفع معها الحصر ولا التأطير أو الحوسبة، بل تجدي فيها المصابرة والعيش يومٍ بيومه. وكلّ ذلك لا يمنع من أن تتراءى في مخيلتها أطياف الأمّ المثالية كغريمةٍ تاريخيةٍ للأمّ الرؤوم "العاديّة"، المثالي عدو الطبيعي، مستذكرةً قول فولتير بما يفيدُ بأنّ "الأحسن عدوّ الحسن". المثالية كمثل الجسم الأسود، مفهومٌ نظري قياسي ومستحيل. ثمّة أمهات يعشن الأمومة أو يحاولنّ أن يعشنها على الوجه الأقرب للكمال لكنهنّ لا يطلنه. وتبقى الجنّة تحت أقدامهنّ فعسى ألاّ تفوتهنّ بالغفلة والانشغال.