واعتذرت بريطانيا

وأخيرًا، تجاوبت  الحكومة البريطانية مع أحد أشرس حملات الشعب الفلسطيني على مواقع التواصل الاجتماعية "اعتذروا" و"ستعتذروا"، واعتذرت لهم عما تسبب به وعد بلفور في مئويته وما لحق بالشعب الفلسطيني من أذى خلال قرن وما ترتب على هذا الوعد من إقامة الدولة الصهيونية على الأراضي الفلسطينية وما نتج عنه من تهجير لأكثر من ٨٠٠ ألف فلسطيني من أراضيهم ومضاعفة أعداد اليهود من حوالي ٨٪ من مجموع سكان فلسطين عام ١٩١٨ إلى ٣١.٧٪ عام ١٩٤٨ من إجمالي السكان.

 

وقد تعهدت بريطانيا جراء هذا الاعتذار بسحب كافة الإسرائيليين والمستوطنيين من البلاد لتقيم لهم دولة أخرى ستحدد مكانها ونكبة شعبها لاحقًا، وفي الحقيقة شعر الفلسطينيون بنشوة الانتصار وابتهجوا بهذا النصر والاعتذار وأقاموا مجموعة من الاحتفالات ابتهاجا بهذا النصر العظيم الذي لم يكن ليتحقق لولا هذه الحملات العنيفة على مواقع التواصل الاجتماعي وكأن هذا الاعتذار هو الذي خلص الفلسطينيين من كل ويلاتهم ومآسيهم.

 

وتزامن مع هذا الاعتذار شعور بالذنب تجاه الشعب الفلسطيني وعليه أظهرت بريطانيا رغبتها بتكفير ذنبها عما لحق بالشعب الفلسطيني خلال مئة عام، وعليه فقد تعهدت بالعمل المستمر والدؤوب مع الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية يدا بيد نحو التحرر، وعودة كافة الصهاينة إلى أراضيهم الأصلية والنظر في فرصة إيجاد دولة أخرى لإقامة وعد بلفور ٢٠١٧.

 

نجح الصهاينة الإسرائيليون من الاستفادة من الديون التاريخية -الهولوكوست أو محرقة الشعب اليهودي- التي ارتكبها أدولف هتلر لكسب تعاطف الدول الغربية معهم لتسويق فكرة دولتهم الصهيونية
 

ولكن للأسف على قولة ستي "يا فرحة ما تمت" تدخلت ألمانيا لصالح الشعب اليهودي وشجبت واستنكرت وعبرت عن مدى استيائها من موقف بريطانيا من إسرائيل ومدى فظاعة خيانة الوعد "وعد بلفور" ودعت جميع الأطراف لحل "وسطي" وقالت "العبوا سوا سوا".

 

ذلك الوعد الذي وقع ضحيته نكبة أكثر من ٨٤٠ ألف فلسطيني في ذلك الوقت، أجبروا على ترك أراضيهم بالقوة وتزامن ذلك مع مجازر دامية اقترفتها تلك العصابات الصهيونية التي باتت فيما بعد تسمى إسرائيل واستشهد على إثرها عشرات الآلاف من الفلسطينيين، لتتوالى بعدها النكبات والنكسات لذات الشعب، حيث طهرت ٥٣١ قرية فلسطينية في عام ١٩٤٨ تطهيرًا عرقيا وتم تدميرها بالكامل وبلغ عدد سكانها المهجرين آنذاك أكثر من ٨٠٥ آلاف لاجئ تضاعفت أعدادهم لتصبح عام ٢٠٠٩ حوالي ٧ مليون لاجئ.

 

عجزنا كفلسطينيين وأصحاب حق عن استمالة المجتمع الدولي ودولة بعظمة بريطانيا إلى صفنا في موضوع القضية الفلسطينية، بالرغم من إيماننا كشعب بأن ما نعانيه كل يوم هو بالأساس نابع من ذلك الانتداب البريطاني

لسوء الحظ فقد نجح الصهاينة الإسرائيليون من الاستفادة من الديون التاريخية -الهولوكوست أو محرقة الشعب اليهودي- التي ارتكبها أدولف هتلر قبل أكثر من سبعين عاما لكسب تعاطف الدول الغربية معهم وتحديدا ألمانيا لتاريخ اليوم ولتسويق فكرة دولتهم الصهيونية للدول ذاتها على أنها دولة يهودية، ما أحدث ازدواجية في التعامل معهم، وجعل ألمانيا عالقة بعقدة الذنب تجاه إسرائيل، وجعل مؤازرتها تنبع للتكفير عن الماضي -المؤلم- وتصميم إسرائيل في الوقت ذاته على ارتداء ثوب الضحية دائما في موضوع كهذا.

 

بينما عجزنا كفلسطينيين وأصحاب حق عن استمالة المجتمع الدولي ودولة بعظمة بريطانيا إلى صفنا في موضوع القضية الفلسطينية، بالرغم من إيماننا كشعب بأن ما نعانيه كل يوم هو بالأساس نابع من ذلك الانتداب البريطاني الذي أعطى وعدا بأرض لا يملكها لمن لا يستحقها -وعد بلفور-.

 

وكما أن الهولوكوست هو ذنب هتلر والنازية وليست فعلة الألمان جميعا على عكس وعد بلفور الذي كان مشرعنا من حكومة الانتداب، ولم تقف بريطانيا على إعطاء هذا الوعد وتأسيس إسرائيل فحسب بل تفتخر المملكة البريطانية بفعلتها حيث أشارت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي لهذا الافتخار وعبرت عنه قائلة "نحن فخورون بالدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل وبالتأكيد سنحتفل بالمئوية بافتخار" هل يستطيع الألمان أن يقوموا بنفس الفعل مع إسرائيل في تاريخ المحرقة؟!

 

كل الاعتذارات بالعالم غير كافية للملمة ويلات ما عاصره الفلسطينيون وما خلفه ذلك الوعد اللعين من تدمير للبلاد وسيطرة استعمار فاشي عليها وتهجير أكثر من ٧ مليون فلسطيني بشتى بقاع الأرض
 

في الحقيقة تكمن المعضلة الكبيرة في نقطتين أساسيتين، الأولى افتخار دولة كبريطانيا في زمن الحريات والديموقراطيات بفعلتها بتأسيس دولة صهيونية فاشية كإسرائيل دون أدنى شعور بالذنب تجاه الويلات التي عاشها الشعب الفلسطيني، وإن وددت أن أكون محايدة -وأنا لست كذلك- فعلى بريطانيا على الأقل أن تقف موقفا محايدا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون افتخارها بتأسيس الدولة الفاشية الإسرائيلية ومرور مئة عام على الوعد، والمعضلة الأكبر من وجهة نظري هي موقفنا كفلسطينيين اليوم من وعد بلفور فعجزنا اصطحبنا لنقف موقف نطالب الحكومة البريطانية بالاعتذار، والعمل على حملات واسعة على أرض الواقع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي تحت وسم اعتذروا، عفوا! أنا كفلسطينية "شو رح أستفيد من الاعتذار وكلمة سوري سعادتكم"!

 

كفلسطينيين على الأقل يجب أن يكون سقف حملاتنا في موضوع كهذا هو مطالبة الدول العظمى وخصوصا بريطانيا بموقف حاسم تجاه الشعب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي ودعم وإسناد الفلسطينيين في المحافل الدولية لإنهاء الاحتلال ووقف التوسع الاستيطاني في هذه الأراضي، والمطالبة بمساندة الفلسطينيين لوقف العدوان الإسرائيلي المستمر والذي نواجهه كل يوم بطريقة مختلفة، المساندة التي من المفترض بها أن تكون طريقًا للتحرر وليست كلمات اعتذارية واعتبارية للدول "الكيوت"، المطالبة بالحقوق تستوجب مواقف حاسمة.

 

في النهاية كل الاعتذارات في العالم غير كافية للملمة ويلات ما عاصره الفلسطينيون وما خلفه ذلك الوعد اللعين من تدمير للبلاد وسيطرة استعمار فاشي عليها وتهجير أكثر من ٧ مليون فلسطيني في شتى بقاع الأرض عدا عن استمرار توسع هذا الاستعمار وتفشيه بالأرض كل يوم من خلال المستوطنات وبحماية الدول العظمى في العالم، لا داعي للقلق ولا للشعور بالذنب فكل اعتذاراتكم لا تعني شيئا أمام أم فقدت طفلها في هذه المئة عام!



حول هذه القصة

تحت شعار “فليسقط وعد بلفور” أجمل الفلسطينيون خطاباتهم ورسائلهم لبريطانيا في إحيائهم للذكرى الأولى لمئوية وعد بلفور المشؤوم والتي عمت أرجاء الوطن، إذ خرجت مظاهرات في مختلف مدن الأراضي الفلسطينية.

وصف روبرت فيسك دعوة تيريزا ماي للبريطانيين بأن يفخروا بوعد بلفور بأنه سخيف، وانتقد تصريحات للسفير الإسرائيلي بلندن، وقال إن الشر الذي انطوى عليه الوعد لا يزال يدنس الأرض المقدسة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة