مغازلةُ الجدران

اجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو يتبادلان "قبلة" على جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية المحتلة، في رسمةٍ يُعتقد بأنها تعود للفنان الأسترالي الذي اشتهر باسم "لاش ساكس" إلى جانب العديد من الرسومات الأخرى له ولغيره من الفنانين العالميين والفلسطينيين على الجدار ذاته.

 

فهل يمكن أن يتحول المكان إلى عنصر مقاومة بالفن؟ وكيف لو كان هذا المكان ملكًا لمن لا يملك الأرض التي زُرع فيها؟ وهل يكتسب الفن رمزيته هنا من مضمونه أم من طبيعة المكان المرسوم عليه أم من الجمهور الذي يتلقاه؟ وهل تعد طاقة الغرافيتي هنا نوعًا من المقاومة للواقع؟ أم تثبيتًا لهذا الواقع وذلك بتجميله على اعتبار أن الجدار رمز لواقع الاحتلال؟ وكيف نقرأ دلالة الجمال في الرسومات بمرآة طرفي الصراع الذي يقسم بينهما الجدار؟ بمعنى هل تتعدد القراءات للعمل الواحد وفقًا لأيدولوجية القارئ أيضا؟

 

رمزية الجدار

للجدار بمعناه العام في الثقافة الشعبية الفلسطينية رمزية خاصة بحكم واقع الاحتلال، فهو وسيلة حماية للبيت والأرض، وكما يقول أحد علماء الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في فلسطين، فيما نقل عنه البروفيسور تشارلز تريب في إحدى مقابلاته، إن الجدران في فلسطين "هي المكان الذي يقيم عليه الفلسطينيون أحاديثهم"، فهو بذلك مساحة إعلانية إعلامية تسطَّر فيها الشعارات الوطنية أو صور الشهداء وأسماءهم، أو أوقات المسيرات والإضرابات، إنه عنصرٌ متفاعلٌ مع الأرض والإنسان في عملية المقاومة اليومية للمحتل.

 

إلا أن هذا المعنى للجدار – الحماية-  كان مغايرًا مع جدار الفصل العنصري الذي زرعه الاحتلال الإسرائيلي عام 2002 ممتدًا من شمال الضفة إلى جنوبها؛ من شمال الغور حتى قرية سالم في محافظة شمال جنين في الضفة الغربية، ثم إلى الشرق من الخط الأخضر غرب الضفة الغربية ليمتد حتى أقصى جنوب محافظة الخليل جنوب الضفة، فجاء يعزز معنى الفصل كأحد مظاهر الأبرتهايد غير المألوفة في القرن الواحد والعشرين، والمتعلقة بتاريخ الأيدولوجية الأساسية التي تميز بين اليهود وغير اليهود.

 

غرافيتي جدار الفصل

 

نتخيل إذن الآن جدار الفصل العنصري لوحةً فنيةً كبيرة جمعت رسومَ فنانين فلسطينيين وعالميين، فالسؤال ما الذي أراد الفنان التعبير عنه بخطوطه وألوانه عبر الفن المعروف بالغرافيتي والذي عادة ما يطلق عليه (Graffiti Art) أو (Street Art)؟

 

يقول دانيل تاك في مقاله (Grafifiti: Art and crime) إن رسومات الغرافيتي تعد شكلا من أشكال الفن، وطريقة للتعبير عن التمرد على المجتمع والانتقام من الواقع، كما يمكن اعتبارها نوعًا من المتعة وترك الأثر. فلمّا يلجأ الفلسطيني إلى الجدار كمادة لإقامة فنه عليه فإننا نستطيع أن ندرك أن فعل الفن هنا يصبح للفلسطيني وسيلة للتحايل على الرقابة التي فرضتها الحكومة الإسرائيلية عليه، ووسيلة للعصيان المدني ضد المحتل.

 

 في غرافيتي جدار الفصل العنصري هناك ثمة علاقة سلطوية تفرض إرادتها لماهية الفن، تنبع هذه الإرادة من ماهية المكان الذي أقيم الفن عليه. وبوصف المكان مادة اختارها الفنان لإقامة فنه عليه تحديدًا، فإن الأمر يذكرنا بصورة الفنان عند كروتشيه في حرية اختياره الناقصة للمواد التي يستخدمها، بمعنى أن شكل المادة التي ينتجها سيختلف بناءً على المادة التي يستخدمها، وعليه فإن الرسومات على جدار الفصل العنصري كانت ستكتسب معنى آخر لو أنها رُسمت على جدار آخر غير هذا الجدار.

 

 وبذلك فإن الغرافيتي على جدار الفصل العنصري هو ثقافة بصرية لا تنفصل من الناحية السيميولوجية عن واقع المجتمع الفلسطيني، وهي بمثابة رسالة يحملها الفنان -سواء المحلي أو العالمي- إلى العالم الدولي، الشيء الذي تؤكده اللغة المستخدمة على الجدار والتي تشكل الإنجليزية منها ثلثيها، تليها العبرية بنسبة 14%، وبنسبة تقل عن 4% للعربية. إلى جانب الرموز الدينية والسياسية العالمية التي تضمها الرسومات على الجدار، كصورة الحمامة التي تحمل في فمها غصن زيتون، وصورة البلدة القديمة في القدس وفيها "حائط المبكى" و "كنيسة القيامة" و"قبة الصخرة"، وختمٍ ب عبارة (made in USA)، وتلك الصورة التي تجمع بين نتينياهو وترمب في إشارة للدعم الأميركي للاحتلال الصهيوني. إلى غيرها من الرسومات؛ فتاة حملتها البالونات تطير في السماء، وسلم طويل يصل للطرف الآخر من الجدار وفي الجانب الفلسطيني يظهر الجدار على نقيض ما يظهر عليه في الجانب الإسرائيلي من رفاهية واستقرار.

 

 

وعليه فالثقافة البصرية للغرافيتي على جدار الفصل إن تم اعتباره قطعة قماش كبيرة بما عليها من رموز، تحمل رسالةَ الأمل بمستقبل أفضل من الواقع، والتمرد على الواقع ومقاومته، وكشف حقيقته لقراء العمل الفني هذا، من منطلق أن الفن يعبر عن الأفكار الخاصة بالوجدان عن طريق الصورة المعبرة (expressive form)، كما ترى الفيلسوفة الأميركية سوزان لانجر.

 

كيف يُقرأ؟

إن تفسير الثقافة البصرية لغرافيتي جدار الفصل العنصري لا تتم بمعزل عن فهمنا للقائم بالفن، والقارئ (الجمهور)، وقراءة الفن نفسه. إن تعددية القائم بالفن هنا تؤكد لنا أن الفنون البصرية هي وسيلة لبناء المعرفة وأداة قوية للتغيير الاجتماعي والسياسي كذلك، كسلاح ناعم غير عنيف، وهذا ما يفسر مشاركة فنانين غير فلسطينيين في العمل الفني على اعتبار أنه مقاومة للاحتلال.

 

أما قارئ غرافيتي جدار الفصل العنصري (الجمهور) فإنه يتحدد بامتداد الجدار ذاته من حيث المدن والقرى التي يمر فيها وروادها، بالإضافة إلى لغة الرسومات (ثلثاها الإنجليزية). في حين تستند قراءة الغرافيتي هنا على ثلاثة أمور لا ينبغي إغفالها؛ أولها: الجمهور الذي أمكن تحديده من خط امتداد الجدار ولغة الرسوم والكتابة فيها متمثلا بالسياح والمجتمع الدولي والنشطاء الوطنيين من الخارج واليهود والفلسطينيين. ثانيها: المضمون والذي لا ينفصل تفسير رموزه عن رمزية الجدار. ثالثها: المكان برمزيته السياسية منها على نحو خاص، وملكية الجدار على أرض لا يملكها صاحب الجدار. إذ إن المسألة الأخلاقية المتصلة بفن الغرافيتي والتي تناقَش عادة فيما يتعلق بملكية الجدران القائم عليها هذا الفن لا يمكن تطبيقها في معرض النقاش عن غرافيتي جدار الفصل، باعتبار الجدار هنا عنصر احتلالي دخيل على أرض لا يملكها صاحبه، وهو ما يعيدنا إلى مربع تفسير وفهم معنى الرسومات التي خُطت عليه.

 

بين الجمال والقبح
غرافيتي جدار الفصل يتسم بالجمالية لدى القارئ المؤيد للقضية الفلسطينية، ويتسم بالقبح لدى القارئ المؤيد لسياسة الاحتلال، فمعايير الجمال تختلف باختلاف منظور الشخص
 

 السؤال الآن هو ما بعد قراءة هذا العمل الفني (غرافيتي جدار الفصل) كيف سيؤدي أثره الذي أُنتج من أجله؟ هل من الممكن أن يؤدي دوره بشكل عكسي مع مرور الأيام فتتحول معاني التحدي والتمرد والرفض له كعنصر احتلالي إلى معاني القبول والتعايش معه؟

 

إن تعدد قرّاء الجدارية (غرافيتي جدار الفصل) يعني بالضرورة تعدد وتفاوت الإحساس تجاهها، وبالتالي اختلاف معايير الجمال والقبح بناء على الجمهور القارئ، فيما إذا كان معارضًا لدولة الاحتلال أو مؤيدًا لفلسطين والعكس، أي أن الثقافة البصرية لا تُستقرأ بمنأى عن المتلقي الذي تتفاوت درجة استجابته. وفي حال استواء الإحساس بالعمل من لدى المتلقي ومنتجه فإنه أقرب ما يكون للأنواع الهزيلة من الإنتاج الفني، كما يقول فؤاد زكريا في كتابه آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة.

 

 وعليه فإن كان غرافيتي جدار الفصل يتسم بالجمالية لدى القارئ المؤيد للقضية الفلسطينية، ويتسم بالقبح لدى القارئ المؤيد لسياسة الاحتلال -أي أن معايير الجمال والقبح على العمل الفني هنا ترتبط بعلاقة عكسية مع رمزية المكان الذي أقيم عليه الفن بالنسبة لقارئ العمل- فهل من الممكن أن تعمل الثقافة البصرية على تجميل القبيح (المكان) بمنظور الفلسطيني؟

 

علّ الأمر كما شبّهه أحدهم، بذاك السجين الذي يخط على جدار زنزانته الرسومات والكتابات كضربٍ من التنفيس وتسجيل الموقف الرافض لواقعه، لكنه لا يرضى بزنزانته هذه مهما زيّنها بديلًا عن حريته، وكذلك الفلسطيني فلن يرى الجدار جميلا لذاته، وهذا يؤكد أن الجدار لديه هو رمز تقرير وجود لاحتلال لا بد يوما أن يزول.



حول هذه القصة

جدران بنيت بمناطق عدة، في مقدمتها جدار الفصل العنصري الذي عزل مدنا وقرى فلسطينية وحاصر أهاليها، وجداران تسعى كل من المجر والولايات المتحدة في عهد ترامب لإتمامهما لمواجهة تدفق اللاجئين.

تقع بلدة بيت حنينا بين بلدتي شعفاط والرام شمال مدينة القدس وتبعد عنها ثمانية كيلومترات، وتعد أكبر بلدات المدينة من حيث المساحة، ويعود تاريخها إلى الحقبة الكنعانية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة