فلسطين بين ثلاثة وعود

لم تكن مصادفة أن يطلق على تصريحات وزير خارجية بريطانيا جيمس بلفور الشهيرة عن فلسطين اسم "وعد بلفور". فكلمة "وعد" تحمل منظوراً توراتياً يستدعي وعود الله المزعومة لبني إسرائيل في التوراة. وفي مقدمتها الوعد الشهير لأبيهم إبراهيم بإعطائه ونسله أرض كنعان: "وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكاً أبدياً، وأكون إلههم" (التكوين، الإصحاح الثامن). 

وأمام هذه الحالة تبدو السياسة الغربية ظلا من ظلال الدين. وتبدو العلمانية الغربية إجراءا انتقائياً يحضر ويغيب حسب الحاجة. وبين الحالتين تناقض يكشف عدم اتساق العقل السياسي الغربي مع نفسه. أو يكشف عن هيمنة البعد الانتهازي فيه. وما زال الخطاب السياسي لبعض قادة الغرب ومؤسساته حتى اليوم يحمل ظلالا دينية، أغلبها ينتمي للصهيونية.

لقد حرص اليهود على أن يدسوا الوعد المزعوم بأرض كنعان في السفر الأول من أسفار الكتاب المقدس، سفر التكوين، ليبدو الأمر وكأنه أسبق من الشريعة نفسها، بل أسبق من بني إسرائيل. وتهمة الدس هنا لم تأت من فراغ، فقد حمل النص التوراتي نفسه علامات زيفه كما تحمل الآثار بصمات المجرم:

كأن القرآن يقول لبني إسرائيل في آياته: إن الله لم يعدكم بشيء مما تدعون. وإذا كان هناك من وعد يستحق الذكر فهو الوعد بإزالة دولتكم في الأرض المقدسة مرتين!
 

جاء في الإصحاح الثالث عشر من سفر التكوين: "وقال الرب لإبرام بعدما فارقه لوط: "ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. فهذه الأرض كلها أهبها لك ولنسك إلى الأبد". وبعد هذه الجملة مباشرة وردت جملة تقول: "وأجعل نسلك كتراب الأرض، فإن أمكن لأحد أن يحصيه فنسلك أيضاً يحصى. قم امش في الأرض طولاً وعرضاً، لأني أهبها لك".

إذا كان الوعد واحداً لإبراهيم، وهو كذلك، فكيف نصدق نصفه الأول في حين أن نصفه الآخر لم يتحقق؟! أين هذا النسل الذي لا يحصى؟ فحتى لو أضفنا إلى بني إسرائيل بني عمومتهم من ذرية إسماعيل فإن نسلهم جميعاً لا يستحق هذا الوصف الذي يليق بسكان الصين والهند أكثر مما يليق بهم.

لكن المشكلة بالنسبة لنا نحن المسلمين ليست في هذا النص التوراتي بل في ذلك النص القرآني الذي يبدو مطابقاً في ظاهره لنص التوراة. فقد جاء في سورة المائدة على لسان موسى قوله: "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ".

 

وبغض النظر عن اختلاف المفسرين في المقصود بالأرض المقدسة هنا، أو بقية دلالات الآية، إلا أن بإمكان الإسرائيلي المعاصر أن يحتج بظاهر الآية على صحة مشروعه الصهيوني في فلسطين. وأكاد أشاهد الآن الرائد أفيخاي أدرعي وهو يقول: نحن موجودون في فلسطين لتطبيق الآية القرآنية!

هذا الإشكال يخفي وراءه عجزاً إسلامياً عن صياغة نظرية قرآنية واضحة ومتسقة في تفسير التاريخ الديني خاصة، والتاريخ العام على وجه العموم. خاصة وأن القرآن قد دخل في جدل واسع مع أهل الكتاب. أقصد الجدل بمعناه الإيجابي، حيث يقوم القرآن مع الكتب السابقة بدور المصحح لأوهامها حيناً، ودور المبين لمجملها حيناً، ودور الناقد المتهكم لمغالطاتها أحياناً أخرى. وقد وصف القرآن هذه الأدوار التي يقوم بها تجاه الكتب الدينية السابقة بكلمة واحدة هي "الهيمنة": "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ" (المائدة).

بعض الكهنة اليهود الحاليين يتنبؤون بظهور المسيح اليهودي بهذا العام. وهناك من يؤكد أن هنري كسينجر قد تحدث قبل أكثر من 10 سنوات عن زوال إسرائيل بحلول هذا العام، وفقاً لتقارير استخبارية أمريكية
 

ومن المواضع التي اشتبك فيها القرآن مع أسفار الكتاب المقدس، بأسلوب التناص الذي يحمل تهكماً خفياً، ما ورد في آيات سورة الإسراء من حديث عن نبوءة قيام دولة إسرائيل وزوالها مرتين: "وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ".. "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا".

ويكمن التناص والتهكم في كلمة "وعد" التي تكرر ذكرها أكثر من مرة في السورة مضافة إلى كلمتي الأولى والآخرة. وكأن القرآن يعيد تدوير المصطلحات الإسرائيلية، ويعطيها حمولات دلالية جديدة. وكأنه يقول لبني إسرائيل: إن الله لم يعدكم بشيء مما تدعون. وإذا كان هناك من وعد يستحق الذكر فهو الوعد بإزالة دولتكم في الأرض المقدسة مرتين!

الجدير بالذكر أن نبوءة سورة الإسراء هذه قد أصبحت محل اهتمام شعبي كبير في السنوات الأخيرة، حتى من قبل الإسرائيليين أنفسهم. وذلك بعد اشتهار الدراسة المثيرة التي قدمها الباحث الفلسطيني الدكتور بسام جرار، بعنوان "زوال إسرائيل عام 2022، هل هي نبوءة أم صدفة رقمية". وهي الدراسة التي استخرجت من النبوءة الصريحة في سورة الإسراء نبوءة أخرى رقمية يقول صاحبها إنها من باب التأويل الرقمي للقرآن الكريم. وتتحدث عن احتمالية زوال دولة إسرائيل المعاصرة في العام 2022.

 

والطريف أن بعض الكهنة اليهود الحاليين يتنبؤون بظهور المسيح اليهودي في هذا العام أيضاً. وهناك من يؤكد أن هنري كسينجر نفسه قد تحدث قبل أكثر من عشر سنوات في مقابلة مع نيويورك تايمز عن زوال إسرائيل بحلول هذا العام، وفقاً لتقارير استخبارية أمريكية. وهو الكلام الذي لم يتسن لي التأكد من صحته بصورة شخصية. لكن إذا صحت مثل هذه التوقعات والتنبؤات فلنا أن نعد الذي يجري في الشرق الأوسط الكبير اليوم بمثابة تحضير واسع لهذه النهاية المثيرة.



حول هذه القصة

تحت شعار “فليسقط وعد بلفور” أجمل الفلسطينيون خطاباتهم ورسائلهم لبريطانيا في إحيائهم للذكرى الأولى لمئوية وعد بلفور المشؤوم والتي عمت أرجاء الوطن، إذ خرجت مظاهرات في مختلف مدن الأراضي الفلسطينية.

وصف روبرت فيسك دعوة تيريزا ماي للبريطانيين بأن يفخروا بوعد بلفور بأنه سخيف، وانتقد تصريحات للسفير الإسرائيلي بلندن، وقال إن الشر الذي انطوى عليه الوعد لا يزال يدنس الأرض المقدسة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة