استعراض الجنرال

في 14 مايو من عام 1967، فوجئ سكان القاهرة بمشهد مهيب، حيث اخترقت شوارع القاهرة الرئيسية قوات ضخمة من الجيش تضم عدد كبير من المركبات والمجنزرات العسكرية، كانت تلك القوات في طريقها لجبهة القتال في سيناء وكان اختيار سيرها داخل الشوارع والميادين الرئيسية بالعاصمة شيء غريب ومُلفت قال عنه الفريق صلاح الدين الحديدي قائد المنطقة المركزية الأسبق في كتابه "شاهد على حرب 67 " :أنه كان من الغريب حقاً أن تسلك هذه التحركات الضخمة شوارع رئيسية في العاصمة، مارة بأكثر الميادين ازدحاماً بالمرور المدني العادي رغم وجود طريقين رئيسيين خارج المدينة الكبيرة،…، بل قد لا أكون مبالغاً إن قلت إن فكرة هذين الطريقين نشأت أساساً لتسهيل التحركات العسكرية، وقد كان لي فرصة مناقشة أسباب اختيار قلب العاصمة لتمر فيها عشرات الآلاف من العربات والدبابات والمدافع، تحت شرفات أكبر السفارات الأجنبية في القاهرة، الصديق منها وغير الصديق، فأفهمت يومها إن هذا القرار لم يأت عفواً بل له أهداف قد يحققها هذا الاختيار الذي يعرض أمام الملأ عضلات القوات المسلحة."

 

هذا المشهد المهيب الذي أرادوا أن يستعرضوا به عضلات القوات المسلحة أمام الناس والسفارات كان يُخفي كوارث ومصائب مفزعة داخل القوات المسلحة الذاهبة للحرب، فمن ناحية كان هناك قرابة 60 ألف جندي مصري في اليمن من أكثر الوحدات خبرة وتدريبًا وتجهيزًا في الجيش، ومن ناحية أخرى أخفى هذا العرض الحالة الحقيقية للجيش وللقوات والآليات والمجنزرات وعدم جهازيتها للقتال، وعدم التدرب على التعبئة العامة، فكانت الطريقة التي جرى بها حشد القوات لسيناء مأساوية وفق ما سرده الدكتور خالد فهمي في دراسته عن هزيمة 67، والتي أورد فيها أن القادة والقوات داخل الجيش تفاجؤوا بتوجيهات المشير عامر برفع الاستعداد داخل الجيش من الاستعداد الدائم للاستعداد الكامل ثم بعد ساعات الأمر بحشد 100 ألف من القوات إلى سيناء خلال مدة تتراوح بين 48 إلى 72 ساعة، ثم وصف حالة هذه التعبئة اقتباساً من شهادة عصام دراز المؤرخ العسكري وضابط الاستطلاع الأسبق والذي وصف حالة العربات المعطلة والمجنزرات المتهالكة على طول الطريق إلى الجبهة قائلاً "إن منظر العربات المدرعة العاطلة يوحي بأنها متجهة إلى مخازن الكُهنة وليس إلى سيناء حيث الحرب المنتظرة".

 

"نحتاج لأن نتكلم" ألم يشبع هذا الرجل من الكلام؟، ألا يمل من الإمساك بالميكروفون ومخاطبة نفسه ومن حوله بنفس الكلام الذي يُثير ضحك وسخرية العالم عليه وعلينا؟
 
وعلى خطى الجنرال الأول يسير الجنرال الجديد عبد الفتاح السيسي المغرم بالاستعراضات والمؤتمرات، وفي ظل ما تُعانيه الدولة من حالة اقتصادية وسياسية واجتماعية بالغة السوء، وفي ظل ما يُعانيه شباب مصر من اعتقال وتعذيب وبطالة راح يعقد مؤتمر دولي للشباب جلب فيه أكثر من 3000 مدعو من دول العالم وتحت شعار يخرج المرء عن شعوره فبينما يتم اعتقال شباب لأدائهم اغنية في الشارع وحجب مئات المواقع الإلكترونية واعتقال الصحفيين ومطاردة المدونين يخرج علينا منادياً "نحتاج لأن نتكلم."

أكثر من 3000 مدعو ومتحدث في مكلمة بلا أي داع ولا هدف ولن يلتفت إليها أحد سوى إعلامه المُغيب الذي لا يراه سواه، 3000 ألاف شخص سيتكفل الشباب المطحون والعائلات الفقيرة والموازنة المتهالكة مصاريف انتقالاتهم وإقامتهم وما دون ذلك من بذخ وترف ومظاهر كاذبة للدعاية للجنرال المُحب للشباب، وكانت الفضيحة الأولى وليست الأخيرة أن واحدة فقط من المتكلمين تتقاضى 40 ألف دولار على الأقل (720 ألف جنيه) مقابل مشاركتها في أي حدث تُدعى إليه، تلك الملايين التي جباها من غلاء الأسعار ورفع الدعم عن الفقراء والمحتاجين، وكأن العالم سينبهر بهذا الديكور والبهرجة وينسى عشرات الألاف من الشباب المعتقلين ظلماً ويتغاضى عن حرية الرأي المكبوتة والمقيدة بجنازير دباباتك.

 

"نحتاج لأن نتكلم" ألم يشبع هذا الرجل من الكلام؟، ألا يمل من الإمساك بالميكروفون ومخاطبة نفسه ومن حوله بنفس الكلام الذي يُثير ضحك وسخرية العالم عليه وعلينا؟، وماذا يتوقع أن يجنيه بحديث أخرق مثل "مكافحة الإرهاب حق من حقوق الإنسان" سوى اثارة الدموع من الضحك الممزوج بالأسى على حال هذا البلد؟، خاصة وأن خلف هذا الاستعراض الكبير تقف الحقيقة المؤلمة وتقترب الكارثة المروعة أكثر وهي أن البلاد على شفا حفرة من الإفلاس، حيث وصل حجم الديون حتى نهاية السنة الثالثة من حكم الجنرال "نهاية شهر يونيو الماضي" لـ 125% من الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 79 مليار دولار يون خارجية إضافة إلى 3.1 ترليون جنيه ديون محلية، مما دفع دول العالم والمؤسسات المالية الدولية للتوجس خيفة من اقتراب عجز الدولة عن سداد المستحقات.

 

استعراض الجنرال بمؤتمره المضحك المُبكي لن يُخفي حقيقة ما أوصل إليه البلاد من تردٍ وسوء، ولن تُفلح تلك البهرجة في تجميل وجهه لا بالداخل ولا بالخارج
 

وهو ما رأينا مؤشراته خلال زيارة الجنرال لفرنسا حيث رفضت المؤسسات المالية هناك عرضه بصفقة جديدة لشراء دستة من طائرات الرافال على الرغم من المكاسب التي كانت ستُحققها، ولكن خوفاً من الوضع الاقتصادي الذي يزداد سوءً يوماً بعد يوم، وما كشفت عنه الخبيرة الاقتصادية الدكتورة سلوى العنتري من شروط جديدة للبنك الدولي مفادها أن الاحتياطي النقدي سيكون مرهوناً لسداد الديون خوفاً من عدم قدرة مصر على الوفاء بالتزاماتها.

 

وكما كان العرض المبهر للجنرال عبد الناصر شو إعلامي وتعبئة شعبية لا تأتي بانتصار وليس لها قيمة حقيقية في ميدان القتال، بل كانت الكذبة التي دفعت البلاد ثمنها غالياً في هزيمة 67 المروعة والتي لا تزال آثارها علينا قاتلة حتى اليوم، فإن استعراض الجنرال بمؤتمره المضحك المُبكي لن يُخفي حقيقة ما أوصل إليه البلاد من تردٍ وسوء، ولن تُفلح تلك البهرجة في تجميل وجهه لا عند المواطنين الذين يأخذ أقواتهم ليدفع لمدعويه ولا عند العالم الخارجي الذي يعرف حقيقة هذا الوجه القبيح والفم الكاذب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 روابط:

خمسون عاماً على الهزيمة: خالد فهمي

1، 2



حول هذه القصة

يسجل معرض الجزائر الدولي للكتاب هذا العام مشاركة واسعة لروائيين شباب تتراوح أعمارهم بين 14 و25 سنة، ألفوا أكثر من 120 رواية باللغات الأربع: العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية.

شدد المجتمعون في ختام الاجتماع التشاوري الذي جمع الرئيس عبد الله فرماجو مع رؤساء الأقاليم الإدارية بالعاصمة الصومالية مقديشو، على ضرورة تفعيل جهود محاربة حركة الشباب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة