كان صديقي

هناك الكثير مما يُقال عن سقطة المخرج السوري محمد بايزيد، في حادث محاولة اغتياله المُفتعل، وهناك الكثير مما يمكن تعلمه منها أيضاً. فعدا الدروس المستفادة أن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأن حبل الكذب قصير، وأنه إذا كان الكذب يُنجي فالصدق أنجى، خرجتُ منها بدرسٍ عن مفهوم الصداقة، وأن الرفيق قبل الطريق.

عناني كما عنى للكثيرين ما فعله بايزيد: الافتعال، الخداع، الغش، الكذب، والإصرار على الكذب، كلها قيم سلبية لا تحتمل التأويل وليست حمّالة أوجه، ولكن إن كان محمد بايزيد سقط مرة، فأصدقاءه الذين أوقعوه سقطوا ألف مرة.

بفيديوهاتهم المسجلة والمنشورة علانيةً على وسائل التواصل الاجتماعي أمام ملايين المتابعين وغير المتابعين، المعنيين بالموضوع وغير المعنيين، التي تتهمه بالكذب تارةً، وبالتحايل عليهم تارةً أخرى، وبتسريب فيديوهات لأحاديث جرت بصورة شخصية وبوسائل اتصال شديدة الخصوصية، لم يتوانى أيّاً منهم عن التشهير بصديقه لمجرد زلة قدم أو ورطة حلت به، وبدل أن يمدوا له يد المساعدة لإخراجه من هذا المستنقع الذي وقع فيه، ضغط كلّاً منهم على كتفه محاولاً إغراقه أكثر، ويوماً إثر آخر أتحفونا بفنونٍ وألوانٍ من الغدر والخيانة، ليثبتوا -على ما يبدو- أيهم أكثر إيذاءاً لمحمد وإيلاماً لمعنى الصداقة قبل كل شيء.

وإذا كانت الصداقة بمفهوم ابن المقفع في كتابه الأدب الكبير – فصل الصديق، "الزينة للحياة الرغدة والعُدّة والعتاد عند الشِّدة"، فإنها بمفهوم أصدقاء المخرج السوري "أخلاء في الرخاء، أعداء في الأزمات". وهذه في قيمنا الثقافية ليست أخلاق الرجال، بل على العكس يُضرب المثل بصداقات النساء أنها لا تدوم، وهي عندما تقوم تعتمد على التجمّل والكذب، وعندما تنتهي تكون نهاياتها مدوّية تنتهي بفضيحة جماعية، وكشف المخبئ والمستور.

لم يَسْلم بايزيد من أقرب المقربين له، كما لم يسلم من الناس الذين صفقوا له طويلاً، ثم شتموه علانيةً، الناس الذين سلموه سابقاً جوائز وهمية، وساهموا برسم صورة أيقونية له لا يستحقها
 

نحن هنا إذاً أمام صداقة ذات طابع نسائي -حسب المفهوم التراثي المشرقي- انهارت عند أول صدمة وكشفت كل ما كان كامداً تحتها من أمراض الغيرة والحسد والنفاق. والسؤال المهم هنا: هل ما قام به أصدقاء محمد بايزيد يُسقط الإثم عنهم؟! هل بإيقاعهم له يرفعوا عنهم الذنب الذي اقترفوه معاً؟!
فإذا كان ما فعله بايزيد فعلاً سيئاً -وهو كذلك بالتأكيد- هناك حوله من زيّن له فعله وأقنعه به، بل وساعده على إتمامه، حتى إذا ما وقع تبرأ الجميع منه، ووصفوه بصفاتٍ يتصفون هم بها تماماً.

الكذب: الجميع هنا كانوا شركاء بفعل الكذب، كذب كلاً منهم على الآخر حتى يوقعوا بعضهم البعض، الخيانة: من منهم لم يخن أمانة المجالس والأحاديث الشخصية، الغدر: من منهم لم يُجمّل الفعل للآخر حتى إذا حصل ما حصل تبرأ الجميع منه وغدروا بمن وقع، وأخيراً الفجور في الخصومة: فإن كان الخلاف بين بايزيد وأصدقاءه على الحادث الأخير المفتعل، لِمَ رووا قصصاً يعود أقدمها للعام 2012؟!
وكل هذه الصفات السابقة هي من آيات النفاق لا الصداقة، يقول الرسول صلى الله عليه في سلم: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ).

بايزيد بفعله هذا كان واجهة لمنظومة كاملة من الانهيار الأخلاقي والإنساني والاجتماعي، بدأت بالترويج لفقاقيع صابون من الناشطيين الإعلاميين على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتهت بإسقاط بعضهم البعض تماماً كقطع الدومينو.

تذكرت بخضم هذه المهاترات قولاً للفيلسوف الإيطالي أمبيرتو إيكو: "شبكات التواصل أتاحت لزمرة من الأغبياء بالتعبير عن رأيهم. قبلها، كان هؤلاء يعبرون عن رأيهم على كأس نبيذ في أحد البارات، من دون إلحاق الأذى بالمجتمع".

لم يَسْلم بايزيد من أقرب المقربين له، كما لم يسلم من الناس الذين صفقوا له طويلاً، ثم شتموه علانيةً، الناس الذين سلموه سابقاً جوائز وهمية، وساهموا برسم صورة أيقونية له لا يستحقها، هم أنفسهم من شهّر به بأبشع الصور.. ما وصلنا إليه اليوم وبرأي أمبيرتو إيكو أيضاً "زمن اجتياح الأغبياء".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة