قيم جمالية في لغة إنسانية

كثيرا ما تشدك بعض المظاهر الجمالية، وأنت تطالع بعضا مما أنتجته الحضارة الإسلامية، في كل المجالات المعرفية والفنية والأدبية، لكن قد يتخيل المرء اليوم في ظل هذا العصر الذي تختزل فيه الحضارة الإسلامية في صور ومشاهد يطغى عليها العنف والتخلف، أن هذه الحضارة لم تعرف قط عصورا من الازدهار والتميز.

  
لكن هل فعلا هذه الحضارة لم تختزل قيما جمالية في مجلات الحياة المختلفة؟
في البدء لا بد من الإشارة إلى أن اللغة بما هي منظومة فكرية وثقافية، تعتبر مدخلا طبيعيا من مداخل التعرف على القيم الذي راكمتها الشعوب في مسارها التاريخي الطويل، فعلاوة على كونها الوسيلة التي اختارها الإنسان للتواصل، فهي أيضا منظومة فكرية تحمل قيما جمالية تعكس البعد الحضاري للشعوب الإنسانية، ومدخل يمكننا من فهم الذات الحضارية للمجمعات البشرية، ولعل هذا ما حدا بالشعوب من القديم للاهتمام بالأدب والفن وكل ما يدور في فلك اللغة دراسة وكتابة وتحليلا، قبل أن تتبلور في العصر الحديث طروحات لسانية تعتبر اللغة نافذة لفهم الدماغ البشري.

  
من هذا المنطلق يمكن للباحث في علوم اللغة والآدب أن ترتسم على شاشة ذهنه مجموعة من التمثلات عن كنه الحضارة الإنسانية، وعن القيم التي عاشت بها المجتمعات البشرية عبر تاريخها الطويل، وعن مدا اهتمامها بالجمال كقيمة أخلاقية وعرفية في تعاملها مع الكون والآخر، وذلك انطلاقا من تتبع بعض التراكيب والمفردات اللغوية التي اختارها الإنسان للتواصل مع الذات والآخر. واللغة العربية، تحفظ لنا زخما لغويا كبيرا يعج ببعض المفردات كانت بمثابة وعاء يحمل قيما إنسانية تعبر عن الحس والذوق الإنساني الرفيع. كما تعكس أن الناطق بهذه اللغة والمتذوق لحسها الجمالي لا يمكن إلى أن يكون أنموذجا منيرا في سماء البشرية، يجسد بحق رسالة الله في الأرض التي لا يمكن أن تكون إلا دعوة للجمال، الجمال في معاملة الذات أولا، والجمال في التعامل مع الأخر بقيم الرحمة والسماحة والود.  

فبالبحث في مداخل الجمال -المدخل اللغوي أنموذجا- في الحياة الإنسانية يمكن أن نصون العوامل التي نعيش فيها من كل تمظهرات العبث بالذات والآخر والعبث بالكون بشكل عام. واللغة العربية تتوفر على معجم كبير من مفردات تنتمي إلى سلالة الجمال والحلم والتغيير والتجاوز؛ تجاوز الأنانية الذاتية، وتجاوز كل المظاهر العنصرية والإقصائية في حق الأنا والأخر. 

  

إن الألفاظ العربية عبر تاريخها الطويل، تمتاز بالمرونة والسلاسة وسهولة الاستعمال، ولهذا الأمر أسباب عديدة تضافر الزمان والمكان والإنسان لتتويجها على عرش البلاغة والبيان
 

إن الجمال بشتى تلويناته وأنواعه ومصادره في الفن والموسيقى والسينما والفن التشكيلي والكتاب وكل مصادر المعرفة والتحضّر هي ما يجب استعادته وبثه بكل الطرائق، وفي هذا السياق تحضر مقولة مدهشة للروائي الروسي العظيم ديستويفسكي حين يقرّر بلهجة يقينية وبعبارة خاطفة تختزل الكثير من العمق والفكر: "الجمال سيصون العالم".

  
كما أن الشاعر والمسرحي الكبير وليم شكسبير في إحدى مسرحياته ينقل لنا هذا المشهد الذي ينطوي على معنى عميق، فالبطل يحذّر من أحد الأشخاص المسرحية قائلا:
احذر من هذا الرجل !
فيجيبه: لمَ ؟
فيقول: هذا رجلٌ خطير..
فيسأله: ولم هو خطير..؟
فيجيبه: لأنّه لا يتذوّق الجمال !
   

وبالعودة إلى المدخل الجمالي في اللغة العربية نجد الألفاظ العربية عبر تاريخها الطويل، تمتاز بالمرونة والسلاسة وسهولة الاستعمال، ولهذا الأمر أسباب عديدة تضافر الزمان والمكان والإنسان لتتويجها على عرش البلاغة والبيان، أيام كان السلم والحرب ينصاعان لسلطة الكلمة البليغة والشاعر والخطيب. ولأجل هذا وغيره، اختار المولى عز وجل هذه الألفاظ لتحمل الرسالة الخاتمة إلى البشر أجمعين وتكون في الختام لغة أهل الجنة المنعمين.

  
ويمكن أن نلتمسه الجمال من بعض التراكيب التي متحت من معين الأنس لتعبر بحس إنساني عنن اختار الإنسان الناطق بهذه اللغة. فاختار ناطق لغة الضاد أن يطلق لفظ السليم على من (لدغته عقرب) تفاؤلا له بالسلامة، كما أطلقوا على الأعمى (لفظ البصير)، والناهل للعطشان، والمفازة للمهلكة، والقافلة تفاؤلاً بقفولها، أي رجوعها، وإن كانت ذاهبة.

 

زاد زينة الألفاظ العربية ارتباطها بالقرآن الكريم، فأصبحت الألفاظ العربية محملة بمعاني سامية

 

ونحو ذلك لفظة "التقريظ" التي تُستعمل أصلاً لمدح الحي ويقابلها التأبين لمدح الميت، المفازة: الفوز، والمفازة الصحراء المهلكة، اليسرى الأمر السهل، واليسرى: اليد الشمال، وهي اليد العسرى التي يصعب العمل بها. فمثل هذه المفردات كثيرة ومبثوث في كتب الأدب العربي وفقه اللغة، وقد وظفت في اللغة العربية بين الناس في تواصلهم اللغوي الاجتماعي لإثبات بعدهم الإنساني والحضاري المتميز، وأهم ما يفهم من ذلك أن الاتصال بالآخر عن طريق الكلام عند المسلمين قد توخى استحضار البعد الأخلاقي في عملية التخاطب، كما أن اللفظة العربية أصيلة أم دخيلة لها من الجمال والرشاقة والأناقة ما يؤهلها للتربع على عرش الجمال اللغوي لفظا ودلالة، لما فيها من الانسجام بين حروفها والتآلف بين أجراسها والتوافق بين المعاني والأصوات البانية لها.

  
وقد زاد زينة الألفاظ العربية ارتباطها بالقرآن الكريم، فأصبحت الألفاظ العربية محملة بمعاني سامية، وهذا ما يقره محمد بن أحمد بن مصطفى في كتابه: "المعجزة الكبرى القرآن" بقوله: "ولسنا نستطيع إحصاء تلك النواحي في جمال ألفاظ القرآن إحصاءً، ولكننا نضرب من الأمثال على مقدار طاقتنا، ومن غير أن نصل إلى أقصى الغاية، وإنما نسدّد ونقارب، بل المقارنة فوق طاقتنا، وقد سَبقَنا إلى تلك المحاولة فحول البيان".

  
فجمال الألفاظ العربية عامة والألفاظ القرآنية خاصة راجع في حقيقة الأمر إلى تناسق حروف اللفظة الواحدة فيما بينها وتلاقي مخارجها، بحيث يلفظها المتكلم دون عناء كبير، بانسجام وراحة، فلا تُتعِب الألفاظ العربية الجهاز الصوتي، كما أنه تحمل النفس على كل مظاهر الجمال.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قد يتصور الكثيرون بأن اللغة موجودة منذ الأزل، لكن أي لغة تلك التي تحدث بها البشر بدايةً؟ وهل وُجدت مجتمعات لم تعرف اللغة؟ وهل اللغة منحة إلهية أم ابتكار بشري؟

مركز مناظرات قطر منظمة وطنية للمناظرات في دولة قطر، تعكف منذ تأسيسها على نشر ثقافة المناظرة والرقي باللغة العربية، من خلال تنظيم بطولة مناظرات دولية بلغة الضاد.

صدر العدد 67 من مجلة الجزيرة لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2017 تحت عنوان "العربية تعود لتركيا"، ويتناول الملف الرئيسي مظاهر عودة الاهتمام باللغة العربية إلى المجتمع التركي بعد غياب طال لعقود.

الأكثر قراءة