قوتنا التي نريد

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال:60).

 

يوضح محمد متولي الشعراوي، أهمية الإعداد، بقوله: الإعداد يسبق المعارك، ويتم بإعداد الأجسام، والأجسام تحتاج إلى مقومات الحياة. وإعداد العُدُد. وهي تحتاج إلى بحث في عناصر الأرض، وبحث في الصناعات المختلفة ليتم اختيار الأفضل منها. وكل عمليات الإعداد تتطلب من الإنسان البحث والصنعة.

 

أما المراد بالقوة في هذه الآية، فقد جمع ابن الجوزي أقول العلماء فيها، فجاءت في أربعة أقوال، الأول: أنها الرمي، رواه عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ، والثاني: الخيل، والثالث: السلاح، والرابع: أنه كل ما يُتقوَّى به على حرب العدو من آلة الجهاد. وحديث عقبة الذي يشير إليه ابن الجوزي في القول الأول، هو حديثه في صحيح مسلم، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". وإطلاق الرمي في الحديث كما يقول محمد رشيد رضا، يشمل كل ما يرمى به العدو من سهم أو قذيفة منجنيق أو طيارة أو بندقية أو مدفع وغير ذلك، وإن لم يكن كل هذا معروفا في عصره ﷺ، فإن اللفظ يشمله والمراد منه يقتضيه.

 

أما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، فالرباط والمرابطة ملازمة ثغر العدو، وأصله أن يربط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطا، كما جاء في لسان العرب لابن منظور. والمراد كما يقول ابن عجيبة في البحر المديد: "الحث على استعداد الخيل، التي تربط وتعلف بقصد الجهاد، وهو من جملة القوة، فهو من عطف الخاص على العام، للاعتناء بأمر الخيل لما فيها من الإرهاب".

 

جائت كلمة ﴿قُوَّةٍ﴾ في الآية غير معرفة، وذلك يفتح المجال أمامها لتشمل كل قوة يستعان بها في المعركة، أي قوة عقلية، وبدنية، وسياسية، وصناعية، ومالية..
 

ومن خلال فهم المراد من الآية، فيمكن أن يدخل اليوم ضمن رباط الخيل، الأنفاق، والمواقع، ومنصات الصواريخ، والكاميرات التي ترصد تحركات العدو على الحدود، والطائرات بدون طيار، وغيرها مما يفتح الله به على عباده. ويؤيد هذا ما ذكره سيد قطب، أنه سبحانه وتعالى خص ﴿رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ بالذكر؛ لأنه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة.

ومع وجاهة الأقوال التي جمعها ابن الجوزي، فإنها جميعا تظل محصورة في القوة البدنية "الرمي" وآلة الجهاد العسكري، وإذا عدنا إلى كلمة ﴿قُوَّةٍ﴾، في الآية الكريمة، نعلم أن مجيئها غير معرفة، يفتح المجال أمامها لتشمل كل قوة يستعان بها في المعركة مع العدو؛ لتحرير البلاد والعباد. فهي تتناول كل قوة عقلية، وبدنية، وسياسية، وصناعية، ومالية، ونحوها، وفق ما ذكره عبد الرحمن السعدي في تفسيره.

 

إننا مطالبون كما نعد قلوبنا عند الصلاة، خشوعا وذلة لله سبحانه، أن نعد كل قوة لمواجهة العدو الصهيوني: قوة عسكرية واقتصادية، سياسية وقانونية، علمية وإعلامية، اجتماعية ونفسية، ودليل ذلك ما جاء في سنن أبي داود، عندما عدد رسول الله ﷺ أشكال جهاد العدو، فقال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"، أما قوة الإعلام على سبيل المثال، فقد ورد في صحيح البخاري، أن رسول الله ﷺ، قال لحسان بن ثابت: "اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك".

 
وليكن معلوما أن أي قوة لن تؤتي ثمارها، إذا ظلت متناثرة متفرقة، فلابد من تعاضدها وتكاملها، وذلك على مستوى الأمة الإسلامية. ولو نظرنا إلى الحركة الصهيونية، وهي تسعى بجد للحصول على وعد بوطن قومي في فلسطين، ثم وهي تعمل بعد الوعد لإقامة الكيان؛ لوجدنا كل أشكال القوة عندها، ونحن ولا شك أولى بذلك منهم، سيما أن لدينا مصدرا صحيحا، لم يتطرق إليه التحريف والتبديل، إنه الإسلام، الذي يمكن أن يمدنا بطاقة إيجابية هائلة، لضمان ديمومة العطاء من أجل بلوغ الغاية، وهي استعادة فلسطين.. وطن الأمة الإسلامية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة