قليل من الجنون.. الكثير من "الفولورز"!

 

دائمًا ما كان هناك سؤال مركزي عن العلاقة بين الجماهير والصفوة، الجماهير ووسائل الإعلام، الجماهير والمشاهير في حال السوشيال ميديا، وعلى الرغم من تقليدية السؤال وقِدمه، إلا أنه على الدوام يحتمل العديد من الأجوبة مع كل زاوية نظر مستحدثة.

 

يمكن القول إن تحليل وتفكيك تلك العلاقة بين الجمهور وصفوته هي الشغل الأكبر لباحثي علوم الاجتماع والاتصال والسياسة، كيف يمكن أن يتعاطف مواطن مسحول مع مستبدٍ فاسد، كيف يؤيد مثقف ليبرالي انقلابا عسكريا، وأخيرًا، كيف يندفع إنسان في دفاعٍ مطلق عن شخص لا يعرفه سوى من بعض "الصور والبوستات" على حسابٍ إلكتروني، بينما هو يتلاعب بمشاعره ومخاوفه لتحقيق مكسب مادىّ أو معنوى؟ وعلى الجانب الآخر، هل من الجنون فعلًا أن يحاول أحدهم أن يؤذى نفسه -أو يدعي ذلك-  مقابل الحصول على "أتباع ومتابعين" وما يأتون به من أموال وعلاقات وشهرة فارغة من الإنجاز الحقيقي أو حتى الرغبة الجادة فيه؟

 

دعونا نذهب إلى الوراء قليلًا، قبل 10 سنوات من اليوم، كتب الدكتور عبد الوهاب المسيري -المفكر المصري- عن "تشيوء الإنسان" أو كيف تم تحويل الفرد إلى "أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمسة". وضرب لنا مثلًا في آخر مقالاته -قبل رحيله- بـالـ(T-Shirt) التي نرتديها يوميًا وكيف تحولت وظيفته من رِداء للستر والتعبير عن الهوية إلى "مساحة إعلانية" لعرض شركة (براند) ما، بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم المادة، ومن ثمّ يفقد المرء هويته ويصبح منتجًا وبائعًا ومستهلكًا في الوقت ذاته!

 

وجد الباحثون في العلاقة بين "المشاهير" و"الجمهور" أن الأخير يميل إلى إنشاء علاقات صداقة وطيدة مع النموذج الذى يقدمه المشاهير عن أنفسهم أكثر مما تكون عليه شخوصهم في الحقيقة

  

كما قلنا سابقًا، كان هذا قبل 10 سنوات من اليوم، أي قبل أن تصبح منصات السوشيال ميديا بهذا القدر من القوة والحضور في المجال العام والخاص، حيث انتقلنا إلى مرحلة أخرى من كون ما نرتديه "مادة استهلاكية أو مساحة إعلانية" لأن أصبحت حياة الإنسان نفسه، أفكاره، علاقاته الإنسانية والاجتماعية، مأكله وملبسه، أصبح كل ذلك "مادة إعلانية" بحيث صار الإنسان ذاته "علامة تجارية" يعمل على تسويقها والترويج لها بالصورة في المقام الأول، تلك الصورة المنقاة، المُعدّلة حسب ما يريد أن يظهر صاحبها، ومن ثمّ يتم تقديم "النموذج" المتكامل مهنيًا وإنسانيًا، بقول آخر، تتكون "شخصية اعتبارية نموذجية" تسير حياتها وفق قواعد التنمية البشرية، نموذج يُشبع حالة التطلع عند المتابعين الذين ربما لا تسير حياتهم وفق هذا النظام المُحكم.

 

في العام 2016، تساءلت الباحثتان في علوم الاتصال جاسمين اليسيك وكينثيا ويبستر عن القواعد التي تحكم العلاقة بين "المشاهير" (celebrities) و"جمهور المتابعين" (followers) على منصات السوشيال ميديا، وجاء في محاولة الإجابة عن هذا السؤال أن الجمهور يميل إلى إنشاء علاقات صداقة وطيدة مع النموذج الذى يقدمه المشاهير عن أنفسهم أكثر مما تكون عليه شخوصهم في الحقيقة، وأنه كلما زاد عدد المتابعين للشخص كلما زادت درجة الإفصاح عن الذات بهدف بناء علاقات أقوى مع الجمهور، حيث يلعب التعبير الذاتي للفرد عن نفسه دورًا هامًا في الحفاظ على المتابعين وتقوية علاقاته به، ونتيجة لذلك، وتحت ضغط إحساس الفرد بالمراقبة الدائمة فإنه يسعى إلى بناء "صورة إيجابية" عن ذاته، تمامًا كما تسعى أيّ شركة لتقديم صورة ذهنية جيّدة عن منتجها لتحقيق مكسب رواجه.

 

نعود إذًا لسؤال البداية، هل من الممكن أن يؤذي إنسان نفسه حقيقةً أو ادعاءً لتحقيق مكسب ما؟.. الإجابة، نعم، في لحظة ما "يصدق الإنسان نفسه" ويتوحد تمامًا مع تلك الشخصية التي نسج مكوناتها وحكاياتها من خلال الصور المعدّلة والكلمات المنتقاة، يصبح وجوده من وجود تلك الشخصية المرسومة على حوائط فيسبوك وتويتر، ومن ثمّ فإنّ أي تهديد لها هو تهديد لوجوده بالأساس، الأمر الذي يمكن أن يدفع البعض لنسج الأكاذيب فقط من أجل الحصول على متابعين أكثر.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة