الظاهرة المشؤمة

"لا تترك أبداً صديقاً يحزن لوحده الصداقة تزيد السعادة وتخفف المعاناة عن طريق مضاعفة البهجة وتقسيم الحزن"
(جوزيف أديسون)

 

"مارس التعاطف حاول أن ترى الأمور من وجهة نظر الآخرين كن رؤوفا إِنَّ كل شخص تقابله يخوض معركة ضارية في الحياة" 
(أفلاطون)

 

"تذكَّر أن أجمل صنيع يمكن أن تسديه لنفسك هو أن تصنع شيئاً جميلاً من أجل شخص آخر"
(جورج بيرنز)

  

عندما نتأمل أقوال الفلاسفة لا يسعنا إلاَّ أن ندرك إدراكًا شاملا أنّ النّفس البشرية مجبولة على العطاء إِذ أنّ الإحسان هو منبرٌ للخير ومنبعاً للحب والإخاء. التواد والتراحم سنّة كونية لماذا اليوم يحدث هذا الشّرخ وتتسِّع الهوة بين أفراد المجتمع الواحد ليصبح كل واحد على حدى يواجه مشاكله بنفسه يصارع الحياة دون أدنى مساعدة أو تكافل من المجتمع الواحد.
   

وهذا ما تكون نتيجته الحتمية ضعف ووهن نفسي لبعض أفراده الذين يعانون بصمت ويصعب عليهم مواجهة واقعهم بحزم وشدّة ليستسلموا ويخيِّم عليهم اليأس نتيجة للأفكار والمشاعر السلبية المتنامية لديهم في عجزهم عن القيام بشيء على النحو الصحيح والإحباط بعدم قدرتهم للوصول إلى هدف معين أو تحقيقا لغاية يشعرون من خلالها بوجودهم ويثبتون من خلالها حضورهم وسط المجتمع الذي ينتمون إِلَيْهِ.

 
ولكن بتفكير شديد وتدبًّر عميق هل يعقل أن تضع حدًا لحياتك بسهولة وأنت في خضَّم صراعك مع الحياة حتى وإِنْ كان أمرًا فاق قدراتك الحسية والعصبية؟ هذه الاشكالية تحتاج إلى منهجية بحث معمّقة ندرس من خلالها مفهوم الحالة النفسية التي تغلب على الأشخاص الغير مستقرين نفسياً والتي تؤثر فيهم الأفكار السلبية وتسيطر على تفكيرهم وعلى طريقة رؤيتهم للحياة. أما من يمتلكون التفكير الإيجابي، ذلك الحس يجعل منهم أشخاصا مميزين، وذلك بالقدرة على مواجهة الأفكار السلبية والسيطرة على النّفس.   

 

 

إلا أنَّ عدم تحقيق هذه النتيجة وشعورهم بالسلبية قد تكون سبباً مباشرًا بالشعور في الفشل وأيضا تسبب اهتزازا للثقة بالذَّات. وبالتالي كل هذه الظروف قد تدفعهم إلى محاولة جدِّية في القضاء على معاناتهم بقتل النَّفس وزهق الرُّوح مفضِّلين ذلك على الموت المؤجل في نظرهم. كما لا ننسى عامل آخر ومهم يتمثل في الوحدة والعزلة وعدم الارتياح للمجتمع الذي يعيشون فيه ومن هنا تسود تلك الضبابية لعدم ثقتهم فيه و في كل ما يحيط به.

 

التفكير المنطقي على ضوء منهجية بحث علمي للحالة النفسية للأفراد، يمكن أن يحمي المجتمع ويساهم في تعزيز قوته، بالتالي تكون له القدرة على مواجهة الصِّعاب

هذه الظاهرة التي انتشرت في وطننا العربي دليل على تشتت وتفكك إحدى ميزاته ألا وهو التكافل الذي من أسسه التراحم والإخاء. إذ أن هناك غياب تام للمجتمع، وهذا ما يدفعنا إلى تساؤل آخر يكمن في دور الأسرة على ضوء المستجدات الحديثة ومتطلبات التكيف وفي ظل كل تلك الضغوطات التي تصيب الفرد نتيجة الحالة الاقتصادية المزرية من جهة وفي عدم القدرة على تلبية متطلبات حياته الشخصية وخاصة إذا كانت لديه مسؤولية أسرية من جهة أخرى.

 
إذن أين النصح والإرشاد؟ أين الاحتواء في معالجة الدَّاء النفسي قبل تفاقمه؟ أين هو الحس المدني وسط أفراد المجتمع الواحد؟ بل أين هو الوازع الدِّيني؟ في قوله عليه الصلاة والسلام "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

 

ظاهرة الانتحار انتشرت بقوة في مجتمعنا العربي وهو يدُّق ناقوس خطر على كل الدوّل لهذا وجب عليها رصد جو ملائم في تجسيد الحياة الكريمة للمواطن. وأيضا وجب على المجتمع تجسيد ثقافة الاحتواء وذلك بالتكافل بين أفراده كأنه الجسد الواحد والاهتمام بالفرد فكرياً اجتماعيا ًاقتصادياً وهذا ما يجعل تفكيرنا منصباً في كيفية حمايته من الخطر الصامت، ونتعلم أيضا كيف نعالج مثل هذه الآفات كلما أصيب بها أحد من أفراد المجتمع.

 
الفرد عضو مهم في الحياة وفي بناء المجتمعات إذا مرض ووهن من حين لآخر سيكون هناك حتمية للسقوط وهذا قد يكون كنتيجة لحالة من التعوٌّد لدى أفراد المجتمع لهذا الدّاء وأيضا الضياع المتكرر لعنصر من عناصر المجتمع قد يسبب وفاة للأمة .أما التفكير بالمنطق وعلى ضوء منهجية بحث علمي للحالة النفسية للأفراد يمكن لها أن تحمي المجتمع على المستوى الداخلي وأيضا في تعزيز قوته خارجياً وبالتالي تكون له القدرة على مواجهة الصِّعاب. وقد نستنتج خلاصة مفادها بأن الفرد السليم في المجتمع السليم نتيجته شعب عظيم وأمة قوية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

رغم أن النقد الذاتي يُعد سلوكا صحيا لزيادة الوعي بالذات وتحقيق النمو الشخصي، فإنه قد يكون حاجزا أمام تقدير الذات وراحة البال، فما مدى إضراره بالصحة العقلية؟ هذا التقرير يجيبك.

الأكثر قراءة