الطاقات البديلة بين الواقع والمأمول

blogs الطاقة الشمسية

في ظل جملة من الإكراهات البيئية، ووسط مخاوف من نفاد مصادر الطاقة الأحفورية الأساس وفي مقدمتها البترول والغاز الطبيعي، يتزايد الاهتمام في بلدان كثيرة في العالم بالطاقات النظيفة خاصة مع التطور الذي يعرفه الحقل التكنولوجي في مجال الطاقة المتجددة. 

وتعتبر الصين البلد الأكثر استثمارا في الطاقات المتجددة، حيث بلغ نتاج استثماراتها عام 2015 ما لا يقل عن 102 مليار يورو، وهو ما مثل أكثر من ثلث الاستثمار العالمي سنة 2015 متفوقة على الهند وجنوب إفريقيا اللتان استثمرتا في العام نفسه 10 مليار يورو و4.5 مليار يورو تواليا. من هنا يبدو أن من تسمي "بلدانا في طريق النمو" هي الأكثر استثمارا في الطاقات البديلة، في حين تحل البلدان الأوروبية المتقدمة ومعها الولايات المتحدة الامريكية وراءها.

غياب الأشعة الشمسية كمثال لمصادر الطاقة البديلة ينتج عنه توقف بالإنتاج الكهربائي وتوقف لعجلة الإنتاج الصناعي إذا ما ربطنا الاستعمال الطاقي بمجال الصناعة التي هي عصب الاقتصاد بالبلدان المتقدمة

واللافت أن البلد الأكثر استثمارا في مجال الطاقات النظيفة هو نفسه من يبعث الكم الأكبر من الغازات السامة المضرة بالبيئة في مفارقة قد تبدو في بادئ الأمر غربية، لكنها سرعان ما تغدو مفهومة حينما تبدر إلى ذهننا ضخامة الكثافة السكانية باعتبارها مقياسا للاستهلاك الطاقي في الصين الذي يعتبر الفحم الحجري مصدره الطاقي الأول، ثم إن حجم الاستثمار الهائل في الطاقات البديلة لا يعني إطلاقا قلقا صينيا حيال المشاكل البيئية في العالم، ولا هو ينم عن حس بالمسؤولية المشتركة تجاه الأزمات البيئة التي تتهدد الكرة الأرضية نتيجة للاستهلاك الطاقي المفرط القائم على مصادر الطاقات الأحفورية. ما يقف خلف استثمار الصين في الطاقات المتجددة خاصة الطاقة الشمسية هو رهان اقتصادي بالدرجة الأولى.

ورغم ارتفاع أسهم الطاقات البديلة في البورصة الطاقية، إلا أنه وفق تقرير الوكالة الدولية للطاقة سنة 2016 فإن الطاقات المتجددة لم تكن تمثل سوى 18 في المائة من مصادر الطاقة في العالم عام 2015، وهو رقم غير كاف لتحقيق هدف اتفاق باريس 2015 القاضي بوجوب عدم ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض عن درجتين. 

وحسب إحصاءات وكالة الطاقة العالمية، فقد بلغ مجموع الاستثمارات في الطاقة النظيفة في العالم عام 2015 ما يناهز 286 مليار يورو، رقم كبير ولكنه يظل صغيرا مقارنة مع الاستثمارات في الطاقات الأحفورية في العام نفسه والتي تجاوزت 600 مليار يورو، و هو ما ما يفيد أن الهاجس البيئي لا يهم كثيرا الدول بقدر ما يهمها إيجاد نموذج اقتصادي بديل فعال، وهو صعب في ظل عدم نضج تكنولوجيا الطاقة البديلة التي مازالت تعاني من مشاكل تقنية يفرضها ارتباط إنتاج الطاقة بوجود مصدرها الذي هو طبيعي.

 

معنى هذا الكلام أن غياب الأشعة الشمسية كمثال لمصادر الطاقة البديلة ينتج عنه توقف في الإنتاج الكهربائي إذا ما أخذنا مثال الطاقة الشمسية، وهو ما يحمل بين ثناياه توقفا لعجلة الإنتاج الصناعي إذا ما ربطنا الاستعمال الطاقي بمجال الصناعة التي هي عصب الاقتصاد في البلدان المتقدمة.

تبذل مراكز الأبحاث المتخصصة بمجال الطاقة المتجددة مجهودات بمحاولة لتحسين مردودها، لكن إيقاع هذا التحسن ليس سريعا بما يكفي حتى تصير أكثر انتشارا بالحقل الصناعي
تبذل مراكز الأبحاث المتخصصة بمجال الطاقة المتجددة مجهودات بمحاولة لتحسين مردودها، لكن إيقاع هذا التحسن ليس سريعا بما يكفي حتى تصير أكثر انتشارا بالحقل الصناعي
 

على هذا الأساس فإن توسع دائرة استعمال الطاقات البديلة لتشمل بشكل أكبر المجال الصناعي رهين بمردودها التكنولوجي الذي ما يزال متواضعا مقارنة مع المردود الطاقي "للطاقات الملوثة"، حيث لا تقوى التكنولوجيا الكهروضوئية مثلا على تحويل ما يقارب 80 بالمائة من الطاقة الضوئية المنبعثة من الشمس، ما يعني أن مردودها لا يجاوز العشرين بالمائة على أبعد تقدير.

 

وتبذل مراكز الأبحاث المتخصصة في مجال الطاقة المتجددة على تنوع أشكالها مجهودات في محاولة لتحسين مردودها، لكن إيقاع هذا التحسن ليس سريعا بما يكفي حتى تصير أكثر انتشارا في الحقل الصناعي ولا في مجال النقل الأكثر استهلاكا للطاقة.

في جميع الأحوال، ورغم بعض الآراء المشككة في مستقبل الطاقات المتجددة وبغض النظر عن الأهداف البيئية الموضوعة، فإن انتشار مظاهر استعمال الطاقة النظيفة، لا شك أنه أخذ في التوسع ولا تختلف مجهودات الحكومات على هذا الصعيد إلا على مستوى نماذجها الاقتصادية وفي جهد قدراتها على إنتاج الطاقة النظيفة بحسب مؤهلاتها الطبيعية، والمؤكد أيضا أن مبادرات الاستثمار في هذا المجال هي اقتصادية البعد قبل أن تتخذ طابعا بيئيا أو أخلاقيا.