الإسلام الوسطي لن يحل مشاكلنا!

ضمن حملة القضاء على "الأفكار المدمرة" والحد من التطرف الإسلامي، وعد مؤخرا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالعودة "إلى الإسلام الوسطي المنفتح على العالم"، يبدو أن هذا الطرح، بما فيه من لباقة وجاذبية سياسية، هو في الحقيقة طرح سطحي وإشكالي وغير ملم بجوهر ولا بطبيعة المشكلة. إن أول إشكالية تعترضنا من خلال هذا الطرح هي مشكلة الماهية والتعريف: فقبل أن نبدأ بالحديث عن الإسلام الوسطي، علينا أولا أن نحدد ما هو شكل هذا الإسلام الوسطي وماهي ماهيته؟

كيف نعرّفه ونحدد معالمه؟ ومن يعرّفه، هل هم الساسة وزعماء الدين؟! وإذا ما اتفقنا أن مفهوم الوسطية يقتضي بشكل عام الاعتدال والتوسط بين الانحلال والتشدد، فمن يقرر ما هو الانحلال وما هو التشدد؟! فقيادة المرأة للسيارة، على سبيل المثال، قد تكون حقا طبيعيا وأمرا بديهيا في مكان ما وانحلالا أخلاقيا وانفلاتا في مكان آخر، فعن أي وسطية نتحدث؟ وأليس مفهوم الوسطية هو أمر نسبي ومتغير ومقرون بعوامل كثيرة متعلقة بالتطورات المعاصرة من عولمة وتقدم تكنولوجي وثقافي وحضاري.. إلخ؟

الإشكالية الثانية، والأكثر خطورة في نظري، تتجلى في أن هذا الطرح يفترض أننا كشعب وكأمة سليمين في إدراكنا لمفهوم الإسلام والتدين أصلا، وملمين بمقاصد الدين وغايته ودوره في حياة الفرد. فقبل أن نتطرق إلى الحديث عن أصناف وأشكال الإسلام- الإسلام الوسطي والإسلام المتطرف- علينا أن نتريث قليلا ونعيد التفكير بمفهومنا للتدين وأن نكون واضحين ودقيقين عن أي إسلام نتحدث. فهل نتحدث عن الإسلام الطقوسي (المقتصر على الشعارات والطقوس الدينية)؟! هل نتحدث عن الإسلام السياسي السلطوي (الذي يقتل ويظلم ويستبد فيه المرء باسم الله)؟! أم نتحدث عن الإسلام كمنهج حياة متكامل، كمبادئ وقيم وأخلاق؟!

فمشكلتنا لا تكمن في وسطية أو تطرف ديني، بل في جوهر فهمنا للدين وإدراكنا لغايته في الحياة. لقد فشلنا منذ زمن، وما زلنا نفشل اليوم، في إدراك الدين كمنهج عملي ومعرفي وأخلاقي وإنساني، كفكر ومبدأ، وكمنطلق وحافز للتفوق والتقدم والعمل والجد والاجتهاد. إنما اقتصر فهمنا للدين إلى حد كبير على "الطقوس" والمظاهر السطحية. فقد تعلمنا أن الدين هو ذقون ولحى وخطابات عاطفية على المنابر وخطوط حمراء وبروتوكولات اجتماعية عفنة خلطت الحابل بالنابل والدين بالعرف والتقاليد، حتى أصبح العيب حرام والحرام عادة (الحسد والغيبة والخوض في أعراض الناس على سبيل المثال).

حل أزمة التطرف الإسلامي ليس في العودة إلى ما يسمى بالإسلام الوسطي، كما ادعى ولي العهد السعودي، بل في العودة إلى الإسلام نفسه، إلى إنصافه، إلى فهم جوهره وغايته
 

لقد تربينا على خطاب الترهيب والتعصب نحو الحق ونبذ الآخر والحكم عليه و"بغضه في الله"، وترعرعنا على أيدي الساسة وعلماء السلاطين ووجهاء المجتمع الذين أخذوا على عاتقهم تأويل النصوص والخوض في أمور الدين حتى جعلوا من الدين عائقا ومعوقا لسير الحياة. وهكذا فقد تاه الإسلام، وتهنا نحن معه، ما بين ساسة فصّلوا الدين على مقاس أجنداتهم وحولّوه إلى "صك براءة" لشرعنة طغيانهم، وبين مجتمع متقهقر استخدم الدين لتبرير تخلفه، وبين عالَم جائر جعل من الإسلام شماعة لتعليق أعمال الإرهاب والوحشية واللاإنسانية.

إذاً، التطرف الإسلامي ليس هو المشكلة بعينها بل هو نتاج لمشاكل أكثر عمقا وأشد خطورة. مشكلتنا هي في الخطاب الديني، في دور بعض العلماء والساسة، في تسييس الدين وجعله وسيلة لإدراك غايات دنيوية منحطة، وفي فهمنا الإشكالي للدين نفسه.

والحل هنا يكمن ليس في العودة إلى ما يسمى بالإسلام الوسطي، كما ادعى ولي العهد السعودي، بل في العودة إلى الإسلام نفسه، إلى إنصافه، إلى فهم جوهره وغايته. علينا أن نعيد التفكير بمعنى أن يكون المرء متديناً، بمعنى أن يكون المرء مسلماً، فهل يكفي أن نصلي ونصوم ونبدو مسلمين (بالحجاب والذقون) لكي ندعي الدين والتدين؟ هل الدين مقتصر على العبادات والشعائر الدينية أم هو منظومة متكاملة ومنهج حياة؟ فإذا أردنا إحداث تغيير حقيقي والحد من كثير من العبث الذي نعيش فيه اليوم، علينا أن نبدأ بعلاج أصل العلة، وليس بأعراضها ونتائجها، وأن نكون مستعدين لإدراك حقيقة المشكلة والإقرار بها.

قد يبدو هذا التأصيل للمشكلة ساذجا وغير عملي، وقد يقول قائل بأن فهم وإدراك جوهر الدين هو أمر شائك بحد ذاته وأن الصراعات على تحديد ماهية الإسلام واستيعابه وتأويل نصوصه هي قديمة العهد ولن تنتهي. أقول نعم! بالفعل، إنه من السذاجة بمكان أن نعتقد أن مفهوم الإسلام ممكن أن يكون مفهوما ثابتا أو موحدا أو أن نتفاءل بأن تحديات التأويل ستختفي يوماً ما، ولكن إذا أخذنا بعض الوقت للتأمل ببديهيات الدين، وقبل أن ندخل في تفاصيل وتعقيدات التأويل والمقاصد، فإننا سرعان ما سندرك سماحة هذا الدين ونتعلم مبادئ التعايش والتسامح والحوار واحترام الآخر.

حينها هوسنا لن يكون حول الوصول إلى الحقيقة المطلقة والقضاء على الاختلافات وإقصاء الآخر بقدر ما يكون حول تقبل هذه الاختلافات واستيعابها والتعايش معها. فعندما ننجح في التعايش مع بعضنا البعض كمجتمعات عربية وإسلامية، وعندما ننجح في خلق ثقافة احترام الآخر وتقبله بالرغم من اختلافاته العقائدية حينها نستطيع أن نتحدث عن "الإسلام المنفتح على العالم" وحينها، فقط حينها، نستطيع أن نأمل بالقضاء على "الأفكار المدمرة" وتدمير التطرف.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ثلاثة أحداث جسيمة تسارعت تداعياتها خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية في السعودية، وضعت العاصمة الرياض في دائرة الضوء وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية.

أجرى ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز اتصالا هاتفيا بالرئيس الأميركي دونالد ترمب في خضم أحداث سياسة وأمنية شهدتها المملكة خلال الساعات الماضية وشملت إقالة واعتقال وزراء وأمراء ورجال أعمال.

الأكثر قراءة