شعار قسم مدونات

الحركة الإسلامية بأوروبا بين الخطاب والأدبيات

blogs - الحركة الإسلامية في أوروبا
للمفكر جاسم سلطان مقارنة مفيدة بين مصطلحي النظام الشامل والمنظور الشامل. فالنظام الشامل أو شمولية الإسلام طبقاً لما هو معتمد لدى معظم الحركات الإسلامية يتحدث عن الإسلام كشبكة من الإجراءات والقوانين بينما المنظور الشامل فهو الحديث عن الإسلام وما فيه من قواعد عامة مثل (وأمرهم شورى بينهم) وليس إطارات إجرائية. فالحركة الإسلامية تفهم الإسلام دين ودولة بوجوب إقامة الدولة أو الحكم الإسلامي وهو يعتبر لديها وفي أدبياتها من الأصول. 
ما يهمني هنا هو مدى انعكاس وتأثير مفاهيم الحركة الإسلامية في المشرق على واقع الأقلية المسلمة في أوروبا. وأهمية هذه القضية تأتي من أن آثارها لا تنحصر بأفراد ومؤسسات الحركة فقط وإنما تتجاوزها وتلقي بظلالها على الأقلية المسلمة والمجتمع أيضا. فثقافة وأدبيات هذه الحركات الإسلامية نراها منتشرة طباعة ونشراً وأصبحت تشكل تياراً واسعاً داخل الأقلية المسلمة.

وبنظرة سريعة على أدبيات الحركة الإسلامية الفكرية والدعوية والحركية نجد أن معظم إن لم نقل جميع هذه الأدبيات قادمة من بيئات تختلف كلية عن البيئة الأوروبية في نظامها الاجتماعي والسياسي. فرغم تواجد الحركة الإسلامية في أوروبا منذ عقود إلا أنها لم تتطور من الناحية الفكرية بالشكل الذي يتناسب مع الواقع الأوروبي ومجتمعاته. فما زالت الأدبيات القادمة من المشرق التي تحمل المفهوم الشمولي للإسلام الذي يحلم بأستاذية العالم، وأن الإسلام دين ودولة منتشرة في محاضن الحركة التربوية وأنشطتها التعليمية والتوجيهية.

وفي نظرة سريعة أخرى على لوائح الحركة وأهدافها نلاحظ أنها تقوم على السمع والطاعة، كما أنها تحمل شيئاً من "القدسية" الدينية، فعلى سبيل المثال نقرأ في لوائحها أن أهدافها (الحركة) واضحة وأنها قضية دين وللسعي نحو التمكين لدين الله.

يتوجب على المثقفين وأصحاب الفكر العمل على تأسيس منظومة ثقافية تربوية تقوم على أسس ومعايير منسجمة مع مجتمعاتها كمبدأ المنظور الشامل مثلاً بدلاً من النظام الشامل
يتوجب على المثقفين وأصحاب الفكر العمل على تأسيس منظومة ثقافية تربوية تقوم على أسس ومعايير منسجمة مع مجتمعاتها كمبدأ المنظور الشامل مثلاً بدلاً من النظام الشامل
 

وبناء على ذلك نستطيع أن نتلمس جذورالأزمة في عدم وجود تطور فكري داخل الحركة الإسلامية في أوروبا، لأن أدبياتها ولوائحها عاجزة عن تشكيل العقل المسلم داخل الحركة أو خارجها. هذا العقل القادرعلى طرح أفكار حرة من خارج صندوق الحركة الصغير. وعليه فلا يجد المرء حراكاً داخلياً يذكر ولا ديناميكيةً ولا منتديات ولا نقاشات جدية لطرح التساؤلات حول ما يجري داخل الحركة.

وفي مقابل كل هذا نجد أن خطاب الحركة نحو الخارج يختلف بشكل كبيرعن الأدبيات واللوائح التي تم ذكرها. فنراه براغماتياً يحاول أن يكون منسجماً مع السطح الخارجي للمجتمع فهو متناغم مع مبادئ وقيم المجتمع وقوانين وإجراءات الدولة المدنية الحديثة وهذا ما ينتج شيئاً من الارتباك لدى العديد من مؤسسات المجتمع الأوروبي وهيئاته المختلفة والمتنوعة ويدفعها للتساؤل عن طبيعة وماهية هذه الحركة.

وهذا ما فتح بدوره شهية العديد من الباحثين وأهل السياسة والإعلام لمعرفة وسبر أغوار هذه الحركات وهل هي منسجمة مع قيم المجتمعات الأوروبية التي تعيش فيها أم لا، لتخرج الدراسات والتقاريرالمختلفة والتي تتحدث عن الحركة من خلال أدبياتها، ومما يزيد الوضع سوءاً هوغياب تدخلات وتعليقات ونقاشات جدية من صاحب العلاقة الذي يتعامل مع السطح بخطابه البعيد جداً عن أدبياته مجال البحث والدراسة والتدقيق، مما جعل بعض هذه الدراسات قد تفتقد إلى الدقة في الدراسة والتحليل والعرض.

إن مناقشة هذه الأدبيات وطرح التساؤلات حولها بروح التفاعل مع الواقع والبحث عن المفيد والنافع فيها من الأمور الهامة. كما أنه يتوجب على المثقفين وأصحاب الفكر العمل على تأسيس منظومة ثقافية تربوية تقوم على أسس ومعايير منسجمة مع مجتمعاتها كمبدأ المنظور الشامل مثلاً بدلاً من النظام الشامل ومبدأ انسجام الخطاب الخارجي مع الأدبيات.