لن أتحرش بكم!

blogs- girle

كأي يومٍ هادئ متخاذل، من تلك الأيام السبعة التي تعيد نفسها، مراراً، لأمر بتحضير قهوتي الصباحية المعتادة، وأذهب لاحتسائها رشفة تلو الرشفة، أمام تلك النافذة الزجاجية المطلة على ساحات وأعتاب وطني الجميل، الذي بقي جميلاً كما هو، نقياً صلباً، بعيداً عن كل تلك الشوائب البالية، أرى ذاك الوسيم، صاحب الملامح الباهرة والعينان الجميلتان، والأنف المحدد، والجسم المتناسق بكل ما يحوي من تفاصيل.

       

مر من أمام عيناي اللتان تكادان ألا تستفيق، أشرب رشفة أخرى من قهوتي المُرة، ليمُر أخراً أجمل، أما عن ذاك الذي يبعد عني أمتاراً قليلة، هو الآخر لا يمنعني من طلته الصباحية الجذابة، لكن قليلاً، ماذا علي أن أفعل؟ هل أضايقهم ولو بالقليل الكثير من تلك النظرات القوية، ليست أيضاً بتلك القوة، هي نظرة بعيدة من أمام نافذتي الهادئة، أنا أيضاً لا أستطيع التحدث معهم أو إسماعهم بعضاً من الغزل الصباحي، أو شيئاً من الشعر، شيءٌ ما يمنعني من الكلام حتى!

 
حسناً، لم تنتهي قهوتي الدافئة إلى الآن، سرحت قليلاً، إلى أن لمحتُ تلك الفتاة َ من بعيد، على الأغلب أنها على أعتاب العشرينيات من العمر، تختال كزهرة بيضاء نقية ٍ على أروقة الشارع، ويبدو أنها في طريقها لركوب الحافلة التي تقلها إلى جامعتها البعيدة، يظهر ذاك من بعض الكتب في يداها الصغيرتان، ملامحها الشرقية، وأنوثتها الراقية، لم تطغى على ثقتها في نفسها، أمام شارع مليء بالأشخاص الغريبة والسطحية، أثناء استمتاعي بكوب القهوة، حدث ما لم يكن بالحسبان، صفعها ذاك الشاب ذي العينين الصاخبتين كلاماً لم أعي حين سماعه حتى إن كان بشراً طبيعياً أم حتى لا أدري، وإذ يتلون ذاك الوجه البريء لتلك الفتاة البسيطة، من قذارة الموقف، وصعوبة الكلام، وخدش الحياء.

     

لم أكن قادرة حتى عن الدفاع عن تلك الشابة ولو حتى بالكلام، من هول ذاك المنظر المؤذي، نعم، ففي كل صباح وحتى مساء لم يكن باستطاعتي إحصاء كمية الألفاظ النابية، والأفعال المقززة من أولئك الأشخاص إلى فتيات ٍ لم يكن قادرات حتى عن الدفاع عن أنفسهم أو إيقاف الزمن قليلاً، حتى يخرجن بأقل الخسائر، هل ما يحصل من الطبيعي لأشباه الرجال، أم أن من غير الطبيعي زوال تحرش الفتيات بالرجال؟ ما هو الطبيعي؟ أو حتى المعتاد أيضا؟

    

قليلاً ممن في مجتمعاتنا العربية لا يفهمون أن تلك الألفاظ أو حتى الأفعال هي خطيرة بالفعل، ضررها النفسي أكبر من ضررها الجسدي، التحرش الذي أصبح اليوم الأكثر انتشاراً في العالم أكمل، سواء اللفظي أو الجنسي أو حتى الالكتروني، هو سلوكيات مبتذلة وتمثل انتهاكاً للجسد ولمشاعر وخصوصية الضحية، لا أخفيكم أن هذا التصرف سيء لا يقتصر على الأنثى بحد ذاتها وإنما على كل أطياف المجتمع إلا النسبة الأكبر تقع على الضحية الأنثى، سواء كان بالنظرات المتفحصة أو التعليق بملاحظات حول الجسد والملابس أو تلك الايحاءات والأصوات التي تحمل إشارات جنسية، هي كثيرة ومتعددة، في الأسواق والشوارع والعمل والمطاعم وحتى المنزل العائلي، لا تمت لأي إنسانية أو دين بصلة.

      

مع انعدام الثقافة عند البعض نجد أنهم لا يكفوا عن ابتزاز المرأة بطريقة اختيارها لملابسها، أو أسلوبها في الكلام، أو اختيارها لأسلوب حياتها بالمجمل، يحيكون القصص والدراما، كي يضعوا الخطأ على المرأة
مع انعدام الثقافة عند البعض نجد أنهم لا يكفوا عن ابتزاز المرأة بطريقة اختيارها لملابسها، أو أسلوبها في الكلام، أو اختيارها لأسلوب حياتها بالمجمل، يحيكون القصص والدراما، كي يضعوا الخطأ على المرأة

            

تلك النسبة الأكبر التي تتجه من الذكر إلى الأنثى في غالبية بالمجتمعات العربية الذكورية وأقولها بالفم الممتلئ، نعم ذكورية، تعتبر أن الذكر الذي يحق له أي شيء وفي أي وقت، هم الأقوى، والقادرون، لن أقول لا حتى غرائز أو شهوات، فكلا الجنسين لديه ما يكفي منهما، إلا أن ما يحتم على كلا الطرفين، وأعود وأقول الذكور منهم أو حتى أشباه الرجال، لا أجد أي شماعة أستطيع أن أعلق عليها تلك التصرفات، إلا غياب التربية والقيم والمبادئ والأخلاق والتربية الذاتية، لا شيء آخر، فكيف لشخص طبيعي، صاحب قيم وتربية أن يقبل على نفسه كهكذا أمر، لن أكترث لإحصائيات أو أرقام، فهي تلك من صنع البشر أيضا، وأغلبها تؤكد على وجود تلك الحالات بشكل كبير.

 

للأسف ومع انعدام الثقافة عند البعض نجد أنهم لا يكفوا عن ابتزاز المرأة بطريقة اختيارها لملابسها، أو أسلوبها في الكلام، أو اختيارها لأسلوب حياتها بالمجمل، يحيكون القصص والدراما، كي يضعوا الخطأ على المرأة، وأنهم لا يستطيعون إيقاف تلك الغرائز والشهوات، التي تكاد تساوي شهوات الأنثى أيضا ً، إلا أنهن ملتزمات بحفظها وصونها، وعدم إلقائها على كل من هب ودب.
   
إلى حين أن يشعروا، أو حتى يفيقوا قليلاً، لا أدري بالفعل إن كان يجب علينا أن نقوم بالوقاية أو حتى العلاج، فالوقاية على الأغلب خيرٌ من قنطار علاج، ثقي بنفسك ولا تجعلي أي كلمة أن تستفزك، وحاولي مراراً حماية نفسكِ من تلك الأُناس الضالة، وكوني صارمة، لا تقبلي بأي ايحاءات أو ايماءات أن تمر مرور الكرام هكذا، فالمتحرش يا عزيزتي شخص ضعيف وجبان، يخاف من الفتاة القوية، احرصي على الدفاع عن نفسك أمامهم بكل ما أعطاكِ الله من قوة، ولا تخيبي حدسك إن شعرت بتصرفات غريبة، بغض النظر ممن أو بأي أسلوب، كوني سنداً لنفسك، ثم للفتيات حولك، إن شاهدت حالة من التحرش بمختلف الطرق، لا تتردي، وكوني أنتي، الأنثى القوية.
   
قوم التحرش، لا أريد أن أطلق عليكم، أي من تلك المسميات أو المصطلحات التي لا تعبّر بالشكل الصريح عنكم، فقط، تفكروا قليلاً أنّ جميعا ً باستطاعتنا النظر المتفحص، وإلقاء الكلام السيء، وبإمكاننا القيام بتصرفات رذيلة، لكن ومع كل الفخر، إنسانيتنا، طبيعتنا البشرية، أخلاقنا وقيمنا جميعا تمنعنا، كونوا بشراً أصحاء عاقلين، لا تكون كالمخلوقات الأخرى التي لم يميزها الله بالعقل، كونوا بشراً فقط .