عن دعوى محاباة الشريعة للسلطة الظالمة

Blogs- egypt

في نصوص الشريعة ما يحض على السمع والطاعة للحكام، كقوله تعالى "أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" النساء59، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم "عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك" (رواه مسلم). وفيها كذلك ما يدعو للصبر على اعوجاج لحاكم والتحذير من الخروج عليه كقوله صلى الله عليه وسلم "من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية"، (رواه البخاري).

وتلك النصوص المتعلقة بالسمع والطاعة ومنع الخروج على الحاكم، وإن جار وظلم كثيرة، ولذا كان جمهور الفقهاء على عدم جواز الخروج المسلح على السلطة الظالمة. وقد يعطي ذلك انطباعاً لدى البعض، إما لنظرته القاصرة في فهم الشريعة أو موقفه العدائي نحوها؛ أن الشريعة منحازة إلى الحكام على حساب الشعوب، وأنها درع للاستبداد والظلم.

   
وهي نظرة -كما أشرت- إما مردها موقف قبْلي معادٍ للشريعة أو جهل بروح هذه الشريعة ومقاصدها. ذلك أن ما جاءت الشريعة من إيجاب السمع والطاعة للحاكم في غير معصيةـ إنما أرادت به ما لا بد لكل اجتماع إنساني منه، وهو الالتزام بالقانون العام وإلا ضربت الفوضى أركان ذلك المجتمع. والعقلاء في كل زمان ومكان مطبقون على أنه لا بد لكل مجتمع من سلطة يخضع أفراده لها، أيّاً كان شكل السلطة.

     
ثم إن الشريعة حين حضت وحثت على الانصياع للسلطة الحاكمة لم تجعل ذلك الانصياع مطلقاً، بل قيدته بأن يكون نطاقه ما كان داخلاً تحت الوجوب أو الإباحة الشرعيين، أما ما كان داخلاً في باب التحريم والمعصية، فلا طاعة للسلطة فيه ولا سمع لها. وقد قال صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى ذلك "لا طاعة لمخلوق في معصية الله"، وقد جعل الفقهاء ذلك النص بمثابة القاعدة العامة التي يُرَدُّ إليها الكثير من الجزئيات عند الاشتباه والتعارض.

       

لا ينكر عاقل ما تدفعه الشعوب من أثمان باهظة في الحروب الأهلية، وهو -بلا ريب- أكثر كلفة مما تدفعه في ظل سلطة غاشمة

وهذه القاعدة التي قعّدتها الشريعة "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" تدحض كل عذرٍ وحجة واهية يتعلق بها أي إنسانٍ يكون تُرْساً في عجلة أي سلطة فاسدة أو ظالمة، متعللاً بأن ينفذ الأوامر التي يمليها على منصبه ووظيفته أو أنه شخص ضعيف مسكين لا طاقة له برفض الأوامر. فالمسؤولية الشخصية حاضرة ولا سبيل للتنصل من تحمل تبعات المشاركة في ظلم أو فساد.

   
أما ما جاءت به بعض نصوص الشريعة من النهي عن الخروج المسلح على السلطة الظالمة أو الفاسدة، فليس لكرامة تلك السلطة في منظور الشريعة، ولا لحظوتها بمنزلة عليا فيها، ولا لتمكينها من رقاب الشعب المقهور، وفتح الباب أمامها لممارسة مزيدٍ من الظلم والفساد آمنة من الانقلاب عليها. بل العلة في منع الخروج المسلح ما يؤدي إليه ذلك الخروج من الاقتتال الداخلي بين السلطة والخارجين، وهو صورة من صور ما يُعرف اليوم بـ "الحرب الأهلية"، وفي الحروب من الأضرار على الشعوب أضعاف ما يصيبها من السلطة الظالمة، يقول النووي مشيراً إلى ذلك "قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه".

 
فالمعلوم والمشاهد من أحوال السلطة الفاسدة أو المستبدة في كل زمان ومكان إحكام سيطرتها الأمنية على البلاد، مع وجود ولاءات لها من المنتفعين منها ومَن يتبعهم من الجماهير، وعدم تخليها عن السلطة بسهولة، وكل ذلك يؤدي إلى الاقتتال بينها وبين الخارجين عليها، فيطول أمد الحرب، وقلّ إن تكون الهزيمة حليفاً للسلطة، لا سيما إن طال أمد الحرب. ولا ينكر عاقل ما تدفعه الشعوب من أثمان باهظة في الحروب الأهلية، وهو -بلا ريب- أكثر كلفة مما تدفعه في ظل سلطة غاشمة.

 
لكن هل يعني ذلك أن الشريعة قد أمرت بالاستسلام التام للسلطة الظالمة المستبدة وأضفت (شرعيّة) على ظلمها واستبدادها، فضلاً عن الأمر بمحبة تلك السلطة والمنافحة عنها وعن جرائمها، كما يروج لذلك الكاذبون على الله وعلى رسوله- صلى الله عليه وسلم- وعلى الشريعة وفقهائها! الحقّ أننا نجد في نصوص الشريعة ما يحمل الترهيب الشديد من الظلم بصورة عامة ويكشف عن المصير الأليم للظالمين والفاسدين، ثم فيها من النصوص ما يحمل الوعيد الكثير بخصوص الحاكم الظالم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لها إلا حَرَّم الله عليه الجنة".

     
ونجد في نصوص الشريعة التحذير من مجرد الركون إلى السلطة الظالمة أو التزلف إليها، فضلا عن إعانتها في ظلمها، وليس هناك مزيد عن الوعيد الذي جاء في قوله تعالى "وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" هود 113، وهذه الآية كما يقول صاحب تفسير إرشاد العقل السليم "أبلغُ ما يُتصور في النّهي عن الظلم والتهديدِ عليه". وتُنبِّه بعضُ النصوص على أن مجرد الرضا بظلم السلطة وفسادها لَهَو لونٌ من ألوان العصيان وباب من أبواب الإثم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن كره برئ، ومن أنكر سلم. ولكن من رضي وتابع"، (رواه مسلم).

 

مع منع الشريعة للخروج المسلح المؤدي إلى الفتن وإراقة الدماء، نجدها لا تمنع الناس من الصدع بالحق والتصدي للظلم وألا يؤخذهم في ذلك لومة لائم، بل تحضُّهم على ذلك
مع منع الشريعة للخروج المسلح المؤدي إلى الفتن وإراقة الدماء، نجدها لا تمنع الناس من الصدع بالحق والتصدي للظلم وألا يؤخذهم في ذلك لومة لائم، بل تحضُّهم على ذلك
 

يقول الإمام النووي "معناه مَن كره بقلبه ولم يستطع إنكارا بيده ولا لسانه؛ فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومَن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومَن رضي بفعلهم وتبعهم عليه فهو العاصي". ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم "إنه سيكون عليكم بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض"، (رواه الترمذي).

  
ليس هذا فحسب، بل مع منع الشريعة للخروج المسلح المؤدي إلى الفتن وإراقة الدماء، نجدها لا تمنع الناس من الصدع بالحق والتصدي للظلم وألا يؤخذهم في ذلك لومة لائم، بل تحضُّهم على ذلك. قال صلى الله عليه وسلم "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، (رواه النسائي). وفي حديثٍ آخر يخبر صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي أمراء يحيدون عن المنهج القويم ثم أخبر عن حال الناس تجاه أولئك الحائدين، فقال "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"، (رواه مسلم).

     
وينقل الإمام ابن رجب الحنبلي تعليقاً على ذلك الحديث قول الإمام أحمد إن "التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح" ثم يقول ابن رجب "فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه" انتهى.

     
بقي أن يقال إن كلام الفقهاء عن المنع من الخروج المسلح على السلطة الجائرة ليس معناه أنهم يمنعون من تغيير تلك السلطة بوسيلة أخرى ليس فيها إحداث فتنة أو إراقة دماء، بل ينصون على لزوم ذلك إن أمكن بلا إيقاع مفسدة أكبر من مفسدة وجود السلطة، وفي هذا يقول الداودي "الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قُدِرَ على خلعه بغير فتنة ولا ظلم_ وجب، وإلا فالواجب الصبر". وعن ابن عيينة "لا يكون الظالم إمامًا قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكفِّ الظلمة، فإذا نصب من كان ظالمًا في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم".

    
والحاصل أن السلطة الظالمة في منظور الشريعة ليست معظّمة ولا مكرمة ولا محصّنة ولا مقدسة، بل هي آثمة متوعدة بالعذاب الأخروي هي وكل مَن تعاون معها أو نافح عنها، وعلى المجتمع المسلم السعي في تغييرها ما لم يكنْ ذلك التغيير يؤدي إلى عواقب سلبية وأضرار على المجتمع أكبر من أضرار استمرار تلك السلطة.