حول كتابات الدكتور صلاح الصاوي

مدونات - صلاح الصاوي

إن معاول التفرق التي عملت في بنيان الأمة عبر التاريخ فقسمتها إلى ثلاث وسبعين فِرقة، هي التي لا تزال تعمل في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر، وتعصف بكل محاولة جادة تسعى لإقامة دين الله عز وجل، والانتصار لشريعته المُضَاعَة وكتابه المهجور، مع فارق أساسي وهو أن معاقد التفرق السابق كانت على الأصول والقواعد الكُلِّية، فخرجت الخوارج وأرجأت المرجئة واعتزلت المعتزلة، وانفصلت بها الفِرَقُ عن جماعة المسلمين، وتساقطت على جَنَبَتَيْ صراطها المستقيم، أما التفرق المعاصر فهو لم يبلغ في مضمونه هذه الدرجة من التعقيد والشناعة، إذ لا يزال أطرافه على الجملة يدورون في فلك أهل السنة والجماعة، وخلافهم لم يخرج عن دائرة مجاري الاجتهاد ومسائل النظر، وإن كان يوشك أن يبلغ في نتائجه وآثاره ما بلغته الفرق القديمة من التناحر والاعتلال. (مدخل إلى ترشيد العمل الإسلامي – صلاح الصاوي).

 

لست أكون مبالغا إذا قلت إن مجموعة كتابات الدكتور صلاح الصاوي تكفي لتأسيس بناء فكري سليم، ورغم ذلك لا تهتم الحركات الإسلامية المعاصرة بتوجيه أبنائها وكوادرها للاستفادة من كتبه! ولعل السبب الأبرز في ذلك هو أن الرجل يمدح الحركة الإسلامية المعاصرة بتوجهاتها الثلاثة (السياسية – الجهادية – العلمية)، بل حتى إنه يمدح جماعة التبليغ والدعوة ويثني على ما فيها من خير رغم عدم وجود مشروع تغييري في برنامجها المطروح، وهو في ذات الوقت ينتقدها كلها (الحركة الإسلامية) بعدل وإنصاف دون تفرقة أو انحياز؛ فغالب الجماعات المعاصرة -للأسف- تريد أن يكون المدح من نصيبها فقط، حيث مَدْح الآخرين قد يؤدي لانتقال شبابها إليهم، كما تريد أن يكون الذم والانتقاص هو نصيب الآخرين، حيث قبول التخطئة والانتقاد أمر صعب على النفوس البشرية عموما، رغم أهميته في مسيرة التقويم والترشيد.

 

كَتَبَ الدكتور صلاح كتاب "أصول الإيمان"، وكَتَبَ "تهذيب شرح الطحاوية" لابن أبي العِزّ الحنفي، وفي هذين الكتابين يظهر بوضوح أنه على عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم، وكَتَبَ "التعددية السياسية في الدولة الإسلامية"، كما كَتَبَ "مدخل إلى ترشيد العمل الإسلامي"، وفي هذين الكتابين أكد على أهمية المرونة في التعامل مع المخالف حتى لو وقع في بعض المخالفات أو البدع التي لا تخرجه في الجملة عن دائرة أهل السنة والجماعة، بل إنه يُنَظِّر للتكاتف مع أهل البدع المَحْضَة واحتوائهم والتعاون معهم لمواجهة أعداء الإسلام.

 

يقول حفظه الله في "المدخل": "والأصل في ذلك كله أن الحركات الإسلامية اليوم بمثابة الجيوش التي ينبغي أن تنتظم فيها الأمة كلها على اختلاف مذاهبها ومشاربها لدفع فتنة التغريب والعَلْمَنَة ودرء خطرهما عن دار الإسلام، فرسالتها امتداد لرسالة الدولة الإسلامية التي كانت تُجَنِّد المسلمين كافّة إذا داهَمَ العدوُّ دارَ الإسلام، ولا تحجب أحدًا مِمَّن ثبت له عقد الإسلام من الاشتراك في هذا الاحتساب، ولا تمنعه من الغنيمة والفيء مادامت يده مع المسلمين" اهـ؛ وهو هنا يستعمل فقهَ الإمام عليِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- في تعامله مع الخوارج.

 

الدكتور صلاح الصاوي رئيس جامعة المشكاة بأمريكا (مواقع التواصل)
الدكتور صلاح الصاوي رئيس جامعة المشكاة بأمريكا (مواقع التواصل)

  

وطريقة الشيخ هذه تُنَفِّر منه أتباعَ مدرسة الرأي الواحد داخل التيار السلفي التقليدي، رغم أنه يستعمل فقه الخلاف كما هو مقرر في كتب السلف، بل كثيرا ما ينقل عن الإمام أحمد وعن ابن تيمية رحمهما الله وهما أصحاب حظوة ومكانة عند السلفيين، فضلا عَمّا ينقله في هذا الباب عن أئمة وعلماء المذاهب الأخرى، فإذا أضفنا إلى ذلك تكراره وتأكيده على القول بأن: "للأمة في حدود سيادة الشريعة الحق في تولية حكامها وفي مراقبتهم وفي عزلهم عند الاقتضاء" كما في كتاب "التعددية السياسية" وغيره.. تعلم آنذاك أنَّ سلفية وَلِيّ الأمر طويل العمر ستستنفر كل طاقاتها للتحذير منه وصرف الشباب عنه.

 

الثوابت والمتغيرات

من أهم كتب الشيخ في وجهة نظري كتاب "الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر"، وهو الكتاب الذي ناقش فيه الحركة الإسلامية من الداخل نقاشا تفصيليا حول المسائل المتنازعين فيها والمختلفين حولها، أملًا منه أن يحدث تقارب في وجهات النظر المتباينة، وأن يفضي ذلك إلى عملية تنسيقية بين مسارات العمل الإسلامي المعاصر، حيث طرح فيه قضايا الإيمان والكفر وما يتعلق بها من أعذار كالجهل والإكراه والتأويل، كما تكلم عن الجماعات المعاصرة وشرعية الانتماء إليها من عدمه، ثم خاض غمار بحر مناهج التغيير الذي تتبناه كل جماعة من هذه الجماعات (العمل السياسي – العمل الجهادي المسلح – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – العمل الدعوي والتربوي) ثم ختم الكتاب بفصل حول تعدد فصائل العمل الإسلامي، وبالطبع جاءته تساؤلات وإشكالات وانتقادات كثيرة، فاضطر لإضافة ملحق في الطبعات الأخيرة بعنوان: كشف الشبهات عمَّا أُثير حول الثوابت والمتغيرات.

 

ورغم أن الشيخ لم يستخدم أسلوب النقد اللاذع في حق مَن ناقشهم في الكتاب فضلا عن أن يكون قد اعتدى لفظيا على أحد منهم؛ إلا أنه قد وصلته بذاءات وتعديات شخصية واتهامات بالمروق من السنة والابتداع في الدين والخروج عن نهج العلماء العاملين! وزاد الأمر بشاعة أن قام أتباع ربيع المدخلي بتحريض الحكام عليه وعلى أتباع فكره ومنهجه، وبالطبع اتهموه بالتهم الجاهزة عندهم والتي يستخدمونها في إرهاب الدعاة إلى الله والعاملين لنصرة دينه، مثل (قطبي – تكفيري – خارجي)، حتى زعم أحدهم أن العلمانيين أرضى لله من الدكتور صلاح وأتباعه! ورغم ذلك كله، فقد رد عليهم إشكالاتهم في الملحق المذكور بأفضل عبارة وأحسن لسان.

 

لا أخفيكم سرًّا أن كتاب "الثوابت والمتغيرات" قد أثَّر فِيَّ وفي فكري بشكل كبير، فقد كنت قبل قراءته أميل لمدرسة الرأي الواحد ووجوب حسم الخلاف في كل مسألة والخلوص إلى قول واحد يلتزم به الجميع، كما كنت أرفض القول بجواز المشاركات السياسية بشكل قاطع لا أقبل فيه النقاش، وكانت نظرتي لجماعات العمل الإسلامي نظرة سيئة في الجملة، ثم بعد ذلك انقلب حالي لدرجة أنني صرت لا أخطب ولا أتكلم في درس أو محاضرة إلا ونقلت بعض كلام الشيخ في المسألة التي أتكلم فيها. وبعيدا عن رأيي الشخصي.. فإن كتاب "الثوابت والمتغيرات" بأطروحاته قد أحدث طفرة فكرية في أروقة الحركة الإسلامية، وقد أجبر الجميع على التفاعل معه حتى الرافضين له؛ ولعل الله يعينني على إنجاز تلخيصه في مقال أو أكثر.

 

undefined

 

قضية تحكيم الشريعة

شغلت قضية تحكيم الشريعة حيزا كبيرا من كتابات الشيخ حفظه الله، وقد كتب كتابين صغيرين حولها: "تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين"، "تحكيم الشريعة ودعاوى الخصوم". ثم جمعهما في كتاب واحد، أسماه: "قضية تطبيق الشريعة – مساجلات منهجية وفكرية في قلب الثورات العربية". وخلص فيهما إلى أن الإسلام دينٌ ودولة، ولابد للدين من دولة تحميه كما لابد للدولة من دين يحكمها ويضبط شؤونها، وأن الحكم بما أنزل الله في الدماء والأعراض والأموال وغيرها فرض لازم على كل من تولى أمر المسلمين، وأن المُجادِل في فرضية ذلك إنما يجادل في أصل من أصول الدين التي فصَّلَتْها وبينتها النصوص الشرعية، وأكدها إجماعُ علماءِ الأمة على مَرِّ العصور والدهور.

 

الموقف من الحكام

قد كان الكلام حول قضية تحكيم الشريعة كافيا لمعرفة رأي الشيخ في حكام العصر، لكنه لم يكتفِ بذلك، إنما صنّف كتابا كاملا حول شرعية هؤلاء الحكام وهذه الأنظمة، أسماه: "نظرية السيادة وأثرها في شرعية الأنظمة الوضعية". ألخصه لكم بقوله في مقدمة الكتاب:

لمن الشرعية اليوم؟

– هل هي للشريعة الإسلامية وما انعقد باسمها من رايات وولايات شرعية، أم للقوانين والنظم الوضعية وما ينشأ على أساسها من هيئات علمانية؟

– وهل هناك ابتداءً وجود شرعي لأوضاع ومؤسسات قامت على اغتصاب الشرعية وإن توارت خلف أسماء شعبية أو شعارات وطنية؟!

– وهل يحتاج بطلان مثل هذه الولايات المعقودة على محادّة الله ورسوله إلى مؤتمرات علمية أو مجامع فقهية؟ هل يختلف في هذا البُطْلان رأيان، أو ينتطح فيه عنزان؟!

–  وهل يسوغ في الشرع أو العقل أن يتنازع العاملون للإسلام اليوم في انعدام الشرعية عن أوضاع قامت ابتداءً على نقيض الشرعية فولدت سفاحا.. وأعلنَتْ كفرها بواحا؟

–  وهل هناك قيمة علمية أو عملية للاختلاف حول أشخاص القائمين على هذه الرايات العلمانية إذا كانت هذه الرايات لا وجود لها ابتداءً، ولا شرعية لها من الأساس.

 

ثم قال في خاتمته: لقد تمهد من خلال الفصول السابقة ما يقطع باجتماع كلمة السواد الأعظم من العلماء والدعاة على عدم شرعية النُظُم الوضعية التي تقوم على رد الشريعة وتحكيم القوانين الوضعية، وعلى حتمية التغيير وإقامة الدولة الإسلامية. اهـ

 

ولا يفوتني أن أشير إلى كُتُبِ الشيخ الأخرى، مثل: "التطرف الديني – الرأي الآخر"، "مالا يسع المسلمَ جهلُه"، "مالا يسع التاجر جهله"، "جماعة المسلمين – مفهومها وكيفية لزومها في واقعنا المعاصر"، "تقريب الصارم المسلول على شاتم الرسول"، "حكم الدين فيمن تطاول على الأنبياء والمرسلين"، "الوجيز في فقه الخلافة"، "منزلة الصحابة في القرآن". وغيرها.