حرية في بازار المستبدين

مدونات - حرية كرامة عدالة اجتماعية الثورة مظاهرات

عندما انطلقت شرارة الربيع العربي، كانت الراية واحدة والمطالب واضحة: حرية وكرامة، للمواطن المسكين المغيّب لسنوات في ظلمات القمع والترهيب. وقد عاشت مجتمعاتنا لفترة طويلة بعيداً عن الحرية واحترام الإنسان، وكانت الشعوب وقتها لا تكترث كثيراً إذا ما تم الأخذ برأيها أم لا، وهذا ما خبرته ردحاً من الزمن، ثم ما لبثت أن تنشقت هواء الحرية الذي لم يطب للطغاة وأنصارهم من شرق الأرض وغربها، فكان القرار تلقين الشعوب درساً لا تنساه!

 

عندما يصل الأمر بالناس إلى التخيير بين الفوضى والاستبداد فإنهم سيختارون الاستبداد بلا شك! وهذا ظاهر في دولنا من قبل الربيع العربي ومن بعد، حيث أراد من لا يرغب لهذا الربيع أن يزهر بأن يعض الضعفاء من الثوار أصابعهم ندماً على اللحظة التي فكروا في أن يثوروا فيها، بل ويقرروا بقرارة أنفسهم بأن يتوبوا ويؤبوا إلى الحالة التي كانوا يعيشونها قبل الثورات! مصطحبين معهم قولتهم الشنيعة: "كنا عايشين"! حيث يظن هؤلاء المغفلون بأن العيش هو لقيمات يوفرها لهم نظام الحكم نهاراً وسيجارة ينفثون خبثها ليلاً.

 

عندما يتربع المستبد على عرشه فإنه يبحث عمن يثبت له أركان كرسيه من وزراء وسياسيين ووعاظ ومهرجين وراقصين، ممن يلعبون بأدمغة البشر ويحرفونهم عن غاياتهم السامية، ليشغلونهم بالتفاهات ومالا يضر المستبد إذا ما تم تداوله ونشره.

 

في مجتمعات القمع، حيث يسود الخوف وترهيب الناس والتجسس عليهم وتسجيل كل شاردة وواردة مما يفعله الإنسان، يغيب العدل، ويصبح أقصى أماني الإنسان أن يكف الله أعين السلطان عنه
في مجتمعات القمع، حيث يسود الخوف وترهيب الناس والتجسس عليهم وتسجيل كل شاردة وواردة مما يفعله الإنسان، يغيب العدل، ويصبح أقصى أماني الإنسان أن يكف الله أعين السلطان عنه
 

وهنا يلعب المال دوره في مقابل تقييد حرية الشعوب، وتملأ أشداق هؤلاء المرتزقة ذهباً لتتحدث بما يريد المستبد، متناسين ما تعلموه أو حفظوه عن معلميهم وشيوخهم، في دائرة لا متناهية من اتّباع أهواء المستبد وتسييس الرعية له. متناسين دورهم الحقيقي، ومتناسين أن التاريخ لا يذكر أمثال هؤلاء، وإنما يذكر شجاعة ربعي بن عامر عندما وقف مخاطباً رستم بعزة الإسلام بعد ان استنشق ربيعه، قائلاً: "لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" قالها ربعيّ وهو موقن بمضمونها الذي لن يعجب رستم المستبدّ.

 

وهذا ينقل لنا صورة نقية من بيئة الحرية والكرامة واحترام الإنسان وآدميته، والتي كانوا يعيشها الصحابة بدءاً من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر العهد الراشدي. والذي ما لبث أن بدء الخلفاء – ابتداء من بني أمية – بالانقضاض عليها لتثبيت ملكهم وأركان دولتهم. وهذا الفرق كان واضحاً بين الصحابة الذين لم يبايعوا أبا بكر مع بقائهم آمنين مكفولي الحرية في دولته، وبين من أودعوا السجن لخلاف فكري مع أحد الأمراء أو الولاة ممن تبع الراشدين.

 

في مجتمعات القمع، حيث يسود الخوف وترهيب الناس والتجسس عليهم وتسجيل كل شاردة وواردة مما يفعله الإنسان أو يتفوه به أو حتى يفكر به، في هذه المجتمعات يغيب العدل، ويصبح أقصى أماني الإنسان أن يكف الله أعين السلطان عنه، فلا يلتفت له أو يأبه به. وهذا مما لا شك فيه أضعف المجتمعات وأنهكها من القمة إلى القاعدة، فلم تعد تقدر على تلبية احتياجاتها الفسيولوجية، فضلاً عن المعنوية.