حجاجية القيم في الخطاب السياسي

Blogs- أنور السادات

يعد الخطاب السياسي خطابا حجاجيا بامتياز، حيث يستعين بجملة من الآليات والوسائل الحجاجية التي تكفل له تحقيق أهدافه التي يسعى إلى تحقيقها، والعمل كذلك على جذب واستمالة المتلقي نحو الأطروحة التي يتبناها. والخطاب السياسي يقوم بتوظيف عدة أساليب وتقنيات حجاجية من بينها القيم التي تحضر بشكل قوي وفعال في خطاب السادات أمام الكنيست الإسرائيلي.

 

تشكل القيم إحدى عناصر مقدمات الحجاج، التي وضع أسسها ومقوماتها "شايم بيرلمان" في البلاغة الجديدة، باعتبار أن هذه المقدمات "يستخدمها المتكلم في سياق حجاجه لكي يبني عليها استدلاله، وهذه المقدمات تشكل موجهات حجاجية وحاملة للاتفاق ومنها يكون الانطلاق". ومن هذه المقدمات نجد القيم التي تجسد الاتفاق بين الناس حولها، لكونها نافعة في حمل النفوس على التأثر لمقتضى القول نظرا لما تحوزه من قدرة على خدمة الجوانب العقلية من العملية الحجاجية.

  
وبالعودة إلى الخطاب يبرز لنا تَضَمُّنَهُ لمجموعة من القيم السامية التي تشتغل داخله كموجهات حجاجية، تحاول الدفع بالمتلقي نحو اختيارات معينة، وجعله يقبل بصحة الدعوى المقدمة من طرف المتكلم. ولعل أبرز هذه القيم التي يكثر استعمالها من طرف السادات في خطابه، نجد قيمة السلام بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى قيم أخرى كالصدق والأمن والإخلاص والعدالة والتسامح، وهذه القيم كلها تدخل في خانة القيم السامية التي تحمل "معنى خفي يجسده الإنسان في قلبه ولا يدركه بحسه ولكن مع وجود هذا الخفاء يبقى عبارة عن معان فطرية هادية وسامية، تشكل خزانا حجاجيا هاما يوظفه الإنسان من أجل إقناع مخاطبه لكونها تمثل أرضية مشتركة تقاسمها الأطراف المتحاورة ومنارا تهتدي به، كما تشكل تلك الذخيرة الجماعية التي تسمح لنا بالتفاهم والتعايش داخل منظومة اجتماعية معينة".

 

إن توظيف السادات لقيمة السلام، ينطوي على قصد حجاجي لا يمكن فصله عن موضوع أطروحته التي بنى عليها خطابه، وهي المتعلقة بإحلال السلام الدائم العادل بمنطقة الشرق الأوسط

وبفحص بنية الجمل الموظفة، يظهر جليا أن كلمة سلام حضرت بقوة داخل الخطاب ومن أمثلة ذلك "لقد جئت إليكم لكي نبني معا السلام الدائم العادل، كيف نحقق السلام الدائم العادل؟، إننا نقبل بالعيش معكم في سلام دائم عادل، الغش في قلب الذين يفكرون في الشر، أما المبشرون بالسلام، فلهم فرح، القدس التي حضرت إليها باعتبارها مدينة السلام، فليس هناك سلام يستقيم أو يبنى مع احتلال أرض الغير، أقول لكم إن السلام لا يمكن أن يتحقق بغير الفلسطينيين، ولا جدوى من خلق العقبات، إلا أن تتأخر مسيرة السلام أو يقتل السلام، كيف يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة، لكي نصل بها إلى السلام الدائم العادل؟".

    

من خلال ملاحظة للأمثلة المقدمة، يتبين لنا أن توظيف السادات لقيمة السلام في خطابه ينطوي على حمولة حجاجية قوية، ومما يؤكد على هذا الأمر أن كلمة "سلام" اقترنت بأسلوب بلاغي وهو التكرار الذي يحمل خاصية تقريرية تأكيدية، لأن كل ما كرر قرر في الأذهان، مزيلا كل الشكوك أو الظنون التي يمكن أن تقع. كما أن كلمة "سلام" جاءت متنوعة من حيث توظيفاتها فتارة متضمنة في جمل فعلية تفيد التجدد في الزمان والحدث إذا كان الفعل مضارعا كما في قوله " أقول لكم إن السلام"، وتارة أخرى متضمنة في جمل اسمية تفيد الثبوت والاستقرار، من ذلك قوله "فليس هناك سلام" أو متضمنة في جمل تحمل طابع النفي الذي "يعد آلية إقناعيه في الخطاب الطبيعي، تفتت الرأي المضاد وتدحضه، أو تشكك فيه بهدف قلب اعتقاد الخصم أو إبطاله من خلال الجحد المتمثل في إنكار أطروحته، والتعويض الذي يتعدى الجحد إلى تقديم الأطروحة البديلة".

  

ومن أمثلة ذلك قوله "فليس هناك سلام يستقيم أو يبنى مع احتلال أرض الغير". وأحيانا أخرى متضمنة في جمل استفهامية إذا اعتبرنا أن الاستفهام يلعب دورا مركزيا داخل الخطاب، يتجاوز معنى طلب حصول الفهم إلى الإفصاح عن معان مضمرة تخص الإنكار والتوبيخ.. وغيرها من المعاني الخفية التي تخرج عن مقتضى الظاهر كقوله "كيف يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة، لكي نصل إلى السلام الدائم العادل؟".

 
فالسادات لكي يخدم استراتيجيته الإقناعية، ولكي يجعل أطروحته تَتَرَسَّخُ في ذهن متلقيه اختار قيمة سامية لطالما اشرأبت إليها دول المنطقة بما فيهم الإسرائيليون، خاصة إذا علمنا ما عانته المنطقة العربية من حروب ودمار وقتل جراء نبذهم لهذه القيمة. ثم إن السادات كمخاطب محاجج ينوب عن شعبه (مصر) وعن العالم العربي عامة، يخاطب متلقيا من نوع خاص، إنهم الإسرائيليون الذين حاربوه وصارعوه لسنوات عديدة منذ إعلان قرار الأمة المتحدة الصادر عام 1947 عن قيام دولة إسرائيل، وهو الأمر الذي رفضه العرب والفلسطينيون بالتحديد، معتبرين أن هذا القرار انتهاك للشرعية الدولية ومساس بالحقوق العامة للشعوب.

 

إن توظيف السادات لقيمة السلام ومحاولته الإقناع بها، أدى دورا فعالا داخل الخطاب ككل، حيث أنه جعله مشحونا حجاجيا ودلاليا مما ساهم في خلق الاقتناع لدى الآخر
إن توظيف السادات لقيمة السلام ومحاولته الإقناع بها، أدى دورا فعالا داخل الخطاب ككل، حيث أنه جعله مشحونا حجاجيا ودلاليا مما ساهم في خلق الاقتناع لدى الآخر
  

فإسرائيل ككيان جديد حاول أن يجمع شعبه المشتت من خلال وضع أقدامه في منطقة الشرق الأوسط عن طريق الاحتكام لسلطة العنف والقوة والقتل، وهو الأمر الذي أدى إلى قيام حروب عديدة ابتداء (بحرب 1948، ثم حرب 1956. أو العدوان الثلاثي على مصر، ثم حرب 1967، والحرب الأخيرة التي قامت بسنوات قليلة قبل الخطاب سنة 1973)، هذه الحرب التي كبدت الإسرائيليين خسائر فادحة، مما جعلهم يبحثون عن سبيل لتحقيق السلام مع العرب، ومع مصر خاصة، نظرا للدور الذي كانت تقوم به في العمل السياسي الخارجي. كما أن هذا المتلقي يحمل أفكارا خاصة عن السادات وعن العرب، ولكي يزيل السادات هذه الشكوك ويزيل أيضا الحاجز الذي ظل قائما لعقود بين الطرفين. وليزرع الثقة في أنفسهم، خاطبهم بما يناسب المقام، فبنى أطروحته على قيمة السلام القائمة على مجموعة من القيم الأخرى المجردة كالعدل والأمن.

 

دون أن ننسى أن هذا السلام المراد تحقيقه، خلق نقاشا وجدالا دائمين، جعلا العرب والإسرائيليين يطرحان السؤال العريض، كيف يمكننا أن نحقق السلام في ظل سنوات الحقد الطويل والعداء المستحكم، وفي ظل الظروف السياسية المتوترة التي تعيشها المنطقة آنذاك. إن توظيف السادات لقيمة السلام ومحاولته الإقناع بها، أدى دورا فعالا داخل الخطاب ككل، حيث أنه جعله مشحونا حجاجيا ودلاليا مما ساهم في خلق الاقتناع لدى الآخر، وعزز من مكانته ومكانة مصر في المنطقة.

 

فاستراتيجيته الحجاجية تدخل في إطار رؤيته العامة لعلاقة العرب بإسرائيل بالرغم من الحساسيات الموجودة بين الطرفين، وتسليطه الضوء على هذه القيمة أثناء إلقائه لخطابه، الأمر الذي يحمل رسائل قوية تكمن في الآتي، إن السلام لا يمكن أن يتحقق إذا لم يكن نابعا من إرادة صادقة وقوية. رد الحقوق إلى أصحابها واحترام الآخر بموجب المواثيق الدولية هو الكفيل بتحقيق هذه القيمة السامية. لأنه لا سعادة على حساب شقاء الآخرين.

 
الوعي بمضامين هذه القيمة وغيرها من القيم من أجل تحقيقها على أرض الواقع بشكل فعال ومستمر. رسالة قوية إلى الإسرائيليين أن العرب لا يحملون تلك النزعة العدوانية التي يعتقدونها عنهم، بل إنهم يتشبعون بالقيم السمحة المأخوذة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

 
يظهر إذن أن توظيف السادات لقيمة السلام، ينطوي على قصد حجاجي لا يمكن فصله عن موضوع أطروحته التي بنى عليها خطابه، وهي المتعلقة بإحلال السلام الدائم العادل بمنطقة الشرق الأوسط، كما أن هذا التوظيف هو محاولة لتغيير الاعتقاد وترسيخ المضامين السامية، وفتح آفاق جديدة للحوار بعيدا عن كل ما من شأنه أن يعكر صفوه. وفي واقعنا الحالي ما أحوجنا إلى هذه القيمة السامية خاصة مع اشتداد الحروب والأزمات التي تعصف بالمنطقة العربية.