الابْتِزازُ "بالْبِرِّ"

blogs حزن

اغضبُ عليكَ إنْ لم تِدرسِ التّخصّصَ الفلاني… وأغضبُ عليكِ إن لم تتزوّجي فلانًا… وأغضبُ عليك إن لم تعمل في الوظيفة الفلانية…

 

سيوفٌ مشهَّرةٌ في وجه الطّموح… وعقبات كؤودةٌ في سلّم المستقبل… عباراتٌ دَرَجَ عليها آباءٌ وأمّهاتٌ يعتقدون أنَّ البِرَّ بطلباتِهم وتنفيذها من قِبَلِ أبنائهم حقٌ مُشْرّعٌ من السّماء بل إنَّ قول "لا" في هذا المقام من قِبَل الأبناء إنما هو خروج عن طاعة الله تلك الطاعةُ المقرونةُ بِطاعَتِهم حتى لَكأنّك تنظرُ في تصرّفات الآباء والأمّهات مع أبنائهم وتظنُّ أنَّ الذي فَشِلَ الآباءُ في تَحْقيقهِ في حَياتهم يجتهدون أنْ يروه في أبنائهم وبناتهم؛ ولو كان على حساب طموحاتِ أبنائهم وأحلامهم وأهدافهم فهم يجتهدون -أي الآباء- أن يُسْلِموا أرواحَهم إلى الله وهم في غاية السّعادة أنّ طموحاتِهم اسْتُبْدِلَ بها طموحُهُم..

 

تعتيمُ المفاهيم وجعلها ضبابيّة الفهم وتلبيس الرّغبات بلَبوس دينيٍّ من خلال نصوصٍ قرآنيةَ المبنى، بَشريةَ الْفهمِ، مِزاجيةَ التّوظيفِ، يَجعلُ مِنها مِعولَ هدمٍ للأبناء بَل وتَرسخُ في عقول أبنائنا هذا الاضطهاد فيصبحُ الأمر مع الأيام دِيناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وهنا يتمترّس الفاشلون في تربية أبنائهم بأنَّ هذا الفشل هو نتيجة عِصيانٍ مَقصودٍ مِنَ الأبناء لهم، لأنّهم يركضون خلفَ التّربية الْحديثة التي تَهدمُ في الأبناء البِرَّ وهو في الحقيقة ليس براً بل عبوديّة متلبّسة بالبِر والاتّباع الأعمى المبني على "أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة" والنّظر المرجف إلى أنّ الاحترام للمعلم هو فرضٌ عليك لا ينبع من داخلك اتّجاه معلمك، والآباء يُعْلونَ مِنْ عِبارةٍ هدّامةٍ نَشَّأَنا عليها مجموعةٌ مِنَ الْعبيد لِكي لا يروننا أحراراً ولم يتفكروا في أنّ العبارة متناقضة فهي تقول: "من عَلّمَني حَرْفَاً كُنْتُ لَهُ عَبْداً" والأصلُ في الْحرفِ أن يَفُكَّ عنكَ الأغلالَ فتنطلق ويجلّي عنكَ الغَبَشَ فتبصر ويحرّك لك راكد الماء في عقلك لتجريَ نحو مستقبلك حراً مرفوداً عَقْلُك باستفهامٍ استنكاريّ من الحر ابن الخطاب "متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"؟

 

تعتيمُ المفاهيم وجعلها ضبابيّة الفهم وتلبيس الرّغبات بلَبوس دينيٍّ من خلال نصوصٍ قرآنيةَ المبنى، بَشريةَ الْفهمِ، مِزاجيةَ التّوظيفِ، يَجعلُ مِنها مِعولَ هدمٍ للأبناء
تعتيمُ المفاهيم وجعلها ضبابيّة الفهم وتلبيس الرّغبات بلَبوس دينيٍّ من خلال نصوصٍ قرآنيةَ المبنى، بَشريةَ الْفهمِ، مِزاجيةَ التّوظيفِ، يَجعلُ مِنها مِعولَ هدمٍ للأبناء
 

بل وتطفو على سطحِ الهزيمةِ للأبناءِ مَثلاً مُتخماً بالأفيون "امشي الحيط الحيط وقول يا ربي الستر" ولا ننظر في تلك العبارة الرّبانية التي ترفع من سَويتك بأن الله لا يُكلفكَ إلا ما آتاك فأنت هنا مجبورٌ على أن تبحثَ عما آتاكَ فَتَنْهَدُ نَحْوَهُ مُشمّراً عَنْ ساعِدِكَ مولّياً وَجْهكَ صَوْبَ أَهدافك رافعاً شِعاراً قُرآنياً مِلاكُهُ (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) أي إنّكم محقّقون لأهدافكم فور طَرْقِكم لِبابِ الصّبر والمصابرة..

 

فعندما كان "أبو مسلم الخراساني" يتقلب على الفراش وعُمْرُهُ لَمْ يَتجاوز الْعشرين كانت أمّهُ تُسائِلُهُ عمّا يحوك في صدره فكان يجيبها: "همةٌ يا أمّاهُ تَنْطَحُ الْجبالَ" فلم تقل له: "بلا هبل" "نام واسكت" بل أخذتْ بِهمتِهِ لينتقلَ بِها لِكي يُقيمَ دُولاً ويُسقطَ أُخرى. وعندما كانَ "البرتو مانغويل" يقرأ على بورخيس في مكتبته وما كان مانغويل مُنتبهاً الى الْمنجم الذي هو فيه إلا عندما أشارت عليه "عمته" بأن يُدققَ النّظرَ في قراءاتِهِ عليه لأنّه سيصبحُ شيئاً في المستقبل فأصبح مانغويل صاحب تحفة "تاريخ القراءة".

 

ومِنْ هُنا وَجَبَ التّرسيخُ والتّكثيفُ في عقولِ أبنائنا أن "لا عقوق" بحق الآباءِ والأمهاتِ في اختيارنا لِتخصصنا الجامعي ولا في تَحديدنا لمسارنا الْمِهْني ولا مع مَنْ سنقضي معه حياتنا فهذه الثلاثة لا علاقة للأهل بها إلا في باب النّصيحةِ المُشْبعةِ بالحجّةِ الْمقنعةِ. ولكي نَجْعَلَ الأُمورَ في نِصابها علينا أن نُحدّثَ الآباءَ والأمهاتِ جَهراً وبِوضوحٍ أن بِرّهم بِحقوقهم وليس في حقوق أبنائهم، وأنْ لا عقوقَ في رَفضِ الأبناءِ لِطلباتِهم التي تتعلقُ بِمستقبلهم إن لم يكونوا على قناعةٍ بِها. والْعقوقُ يكون في طريقة قولنا لهم "لا" وليس في ذات الـ "لا".