وهذا أخي قد منّ الله علينا

مدونات - أصدقاء صديق رفيق جيب كرك

"فالبُعدُ عنكم موتٌ، والقُربُ منكم حياة".. أجل، هُم الأَخِلاَّء، من تعبسُ لنا الدنيا إن غابوا عنّا، وتضيق علينا الأرض إن فرّق بيننا الدهر والمُستَقرّ، وتضحك لنا الشمس إن ضحكوا، وتعانِقُنا الْحَيَاةُ إن ائتلفنا وتآلفنا.
 

هم خيرُ معينٍ وسندٍ في الشدّة، وأجودُ رفيقٍ وخليلٍ في المسرّة، إن فرّقتنا الفانية، التأم شملنا في الباقية، لولا الفطرة، لذهب العقل إلى أنهم من تُستضاء بهم الحياة، لا الشمس تُدركهم ولا الليل سابقهم، هم كالنجوم يهتدي بهم الحليمُ الحيران في ظُلمة زماننا هذا. جاذبيتهم القويّة، تأسر كُلّ من هبط في شركها، بكلامِهم النقيّ الصفيّ صفاء اللبن، وخُلُقهم المحمود الْحَسَن حُسنَ عيون المُها، نُسجت علاقتنا على المروءة، فغدا رباطها وثيقاً، كالحبل المتين، مستعصمين بالذي لا يُستَعصمُ إلا بحبله، وبحفنات من نوره -عز وجل-، أضيئت لنا السُّبل، فكان التناصحُ بيننا متعاقباً تعاقبَ الليل والنهار، وقد رُويَ عن الحسن البُصريّ أنه قال: "إخواننا أحب إلينا من أهلينا ، إخواننا يذكروننا بالآخرة وأهلونا يذكروننا بالدنيا".
 
في أحد الأيام، أحسستُ بضيقٍ في صدري، كان الحزُن يقضم قلبي، وكان البكاء رفيق روحي، وكان البؤسُ متملّكاً أركاني، كنتُ في ذاك اليوم حاضراً غائباً عن كل شيء، حاضرُ الجسد بالرُّوح غائبٌ، كنت أجولُ في خاطري أتفكّر، وأُبحر في ذاتي أتحرّى، ماذا جرى لي يا تُرى؟! أي قلبٍ هذا، دامسٌ كالليل العسعس، صلبٌ كالحجارة أو أشدّ قسوة، كانت تنبعُ الآيات المُشبعة بالسكينة والوقار من أفواه القرّاء، كالنبع الفائض بالبركات والخيرات، ولكن.. لا هو تشرّبها! ولا الطلُّ أصابه! بل تركه صلداً!
 
هممتُ في ذلك اليوم بالمغادرة تاركاً ما تبقى لدي من المحاضرات، استوقفني بضع من الأصحاب واستفهموا دافعَ مغادرتي، فاكتفيتُ بإجابةٍ واحدة "لم تهوى نفسي الحضور اليوم" ولكن.. استوقفني أحد الأخوة – وأنا ظالمٌ له بوصفه هذا إنَّما هو توأم الروح- وسألني السؤال نفسه، فأجبته الإجابةَ ذاتِها، لكن سبحان من جعل صداقتنا صداقة وداد، فجراحُ الحبيب لا تخفى عن المُحِب، أتخفى دلائلُ السقمِ عن الطبيب؟!

 

هم إخوةٌ جمعتنا معرفةُ من ألّف بين قلوب المحبين فأحبُّوه وتحابَّوْا فيه، نُسرّها ليومٍ نجتمع فيه على منابرٍ من نور بإذن الله
هم إخوةٌ جمعتنا معرفةُ من ألّف بين قلوب المحبين فأحبُّوه وتحابَّوْا فيه، نُسرّها ليومٍ نجتمع فيه على منابرٍ من نور بإذن الله
  

ردّ عليّ قائلاً :"كلا، هناكَ خطبٌ ما"، فتطأطأ رأسي رافعاً الراية البيضاء، واستسلم القلبُ للقلبِ، وحدّثته بحالي، وجلسنا قُرابة الساعة مستأنسين ببعضنا، استئناس المُحِبّ بالحبيب، والنّجومُ النّيّرة بالبدر البازغ المضيء، والشجر الأخضر الخلّاب بالطيور الغنّاءةِ، بزقزقتها الباعثة للحياة، فانقشع الدخان عن المضغة، وسِيقت السُّحُب المباركة إلى سمائنا، فأمطرت وسُقيَ القلبُ الغيث، "فأخرج به من الثمرات رزقاً" لنا، وضحكت شمسنُا المليحةُ فاستبشرتُ، وبثّت أشّعتها الذهبيّة الدافئة تُجاه الفؤاد حاملةً الرحمة له، فخنعَ القلبُ للرحمن، وسكنتِ الجوارحُ، وابتسم الوجدان سابقاً الملمحَ، وتزيّنت السماء بألوان الطّيفِ السبعةِ، كأنّه يومُ عيدٍ تحفل فيه الأرض بنا، فلم تعد ابتسامتي متكلفة بقية ذلك اليوم، منذ تلك اللحظة والقلبُ في شوقٍ دائمٍ لرؤية ابتسامته وسماعِ ضَحِكَتِه، واختتم حديثه قائلاً: "أما زلتَ تريد المغادرة؟" فضَحِكتُ وضحِكَ هو أيضاً، واستذكرت هنا ابن مسعود -رضي الله عنه-، فكان -رضي الله عنه- اذا خرج إلى أصحابه قال: "أنتم جلاء حُزني"، وقد صدق ابن مسعود!

 
 
لَكَم أودّ رؤية ابتسامة من أحببتهم وهم يقرءون ما نبعَ من القلب بصدق، فما بدرَ من القلب لا يتلقّفهُ إلا القلبُ -وأنا مؤمن بذلك-، وقد كان ذلك موقفاً من مواقف عديدة، وإن تناستها السِّنون، فقد نُقشت في القلوب.
 
هم إخوةٌ جمعتنا معرفةُ من ألّف بين قلوب المحبين فأحبُّوه وتحابَّوْا فيه، نُسرّها ليومٍ نجتمع فيه على منابرٍ من نور بإذن الله، "فوثّق اللهم رابطتها وأَدِم وُدّها واهدِها سُبُلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكّل عليك، وأحيها اللهم بمعرفتك".

 
فاستكثروا وأكثروا من صُحبة الصالحين، فما أُنعِمَ على العبد نعمةٌ بعد الإسلام أعظمُ من صُحبةٍ صالحة. وكفى بروضة المُتحابين في الله-عز وجل- شفاعةً يوم القيامة!، وفي هذا يقول عليٌّ بن أبي طالبٍ لابنه الحسن: "يا بُنيّ، الغريبُ من ليس له حبيب"، فاللهم احشرنا بمن نُحب وبمن أحبونا زُمراً زُمراً يا رب العالمين.