شعار قسم مدونات

رسالة المؤتمر العشرين.. الرسالة التي لم يكتبها البنّا (2)

blogs-حسن البنا

هل يبدأ التغيير من المسميات؟
لا أرى ذلك أمرا جوهريا، بل أميل إلى بقاء الأسماء التي درج عليها العمل كما هي في كل بلد، إلا إذا رأى أهل بلد ما حاجة لتغيير الاسم. فمرد الأمر في ذلك لأهلها ولا مشاحة في الاصطلاح على كل حال. إنما يعنيني بالأساس وضوح التعريف وجلاء الغاية فهما مدار العمل الحقيقي. فإذا سأل أحد الناس: "من هم الإخوان المسلمون وما غايتهم وأهدافهم؟"، ينبغي أن يكون الجواب واضحا لا لبس فيه كما يلي:

* التعريف: هم جماعة من المسلمين ذات رؤية إسلامية إصلاحية شاملة.
* الغاية: إرضاء الله والفوز بالجنة والنجاة من النار.
* الشعار: قوله تعالى: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين" فصلت 33.
* الدعوة منهاج وسبيل وليست محطة وحمل ثقيل، وهي إلي الله، ولا لشيء سواه وقوامها البصيرة والحكمة والعلم ووسيلتها الرهط المتبع وهي منزهة عن مقاصد الدنيا وكل ألوان الشرك.
* الهدف: أداء مهمة الرسل من خلال: التعريف برسالة الإسلام وقيمه السامية، وإرشاد المسلمين لكل خير وحثهم عليه، والتعاون معهم على تطبيق تعاليمه.

من الضروري للقيادة المحلية في كل دولة أن تضع خطة زمنية معلومة المراحل لتطبيق هذه الأهداف، وأن تكون قابلة للقياس في حدود إمكاناتها وطموحها فيما تصبو إليه

وينبغي ملاحظة أن هناك أهدافا جزئية متوازية مستمرة وليست متوالية، فهي تشمل:
(1) التعريف بصورة الإسلام الحقيقية.
(2) بناء الشــخصية المســلمة المتــوازنة.
(3) المساهمة في بناء مجتمع متماسك ومتوازن ماديا ومعنويا.
(4) مناصرة المستضعفين على اختلاف أجناسهم في أنحاء العالم.
 
هل يختلف نمط العمل باختلاف البيئة؟ وإلى أي مدى؟
من الضروري للقيادة المحلية في كل دولة أن تضع خطة زمنية معلومة المراحل لتطبيق هذه الأهداف، وأن تكون قابلة للقياس في حدود إمكاناتها وطموحها فيما تصبو إليه. فإذا أرادت الحركة استهداف نسبة 2 في المئة مثلاً من سكان الدولة سنويا لتوضيح صورة الإسلام الحقيقية لها، فإن هذه النسبة تزيد أو تقل حسب عدد سكان هذا الدولة أو تلك، وعدد أعضاء الحركة بها وإمكانياتهم، والظروف السياسية التي تحكمها، ونسبة من وصلتهم صورة الإسلام الحقيقية في هذا البلد ابتداء.

 

وأعني هنا بصورة الإسلام الحقيقية ما بات معروفا لدى عامة المسلمين من شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة، ولم أستخدم لفظ "الإسلام الوسطي" حيث أن كل الجماعات تدّعي أنها تحمل الفكر الوسطي.
 
أين الإشارة إلى السلطة في الغاية أو الهدف؟
ليس مطلوبا من جماعة الإخوان المسلمين – ولا غيرها من الجماعات – أن تستهدف السلطة أو قيادة الدولة. فلم يطلب الله من نبي ولا رسول أن يكون في سدة الملك، بل إن الله لم يعد رسوله الكريم بالسلطة حين قال: "فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ"(الزخرف)، وقوله: "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" (غافر). وقد اقتصرت مهمة الأنبياء والمرسلين على البلاغ والتبشير والإنذار. وانتصار المسلم الحقيقي يتحقق حين يصدق فيه قول الله "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" (الحجر)، ومناه "متى ألقى ربي وهو عني راض".

إن وظيفة الرسل والأنبياء كانت تعليم الناس لا قيادتهم، وأغلب الرسل ما أقاموا دولا بل أصلحوا نفوسا، وأكثرهم ما آمن معه إلا قليل. لو كانت السلطة في ذاتها هدفا لرضي بها رسول الله من أول يوم عرضت عليه؛ دون أن يتعرض لتلك المعاناة البشعة هو ومن معه. هذا لا يعفيهم هم وسائر الأمة من اختيار الأصلح لقيادة الوطن ودعمه، فمستقبل الأوطان مرهون بقياداتها. وعليه، فإن وظيفة الجماعة تعليم الناس أن يختاروا الأصلح وأن يدافعوا عن خيارهم وأن يتذوقوا معنى الكرامة وسمو التضحية من أجل حرية أوطانهم.

إن كان ثمة قصور في مساحة الحركة المتاحة للجماعة في ظل القانون، فتسعى لتشكيل رأي عام مجتمعي يعمل على تغيير وتعديل تلك القوانين المقيدة للحرية قدر استطاعتها
إن كان ثمة قصور في مساحة الحركة المتاحة للجماعة في ظل القانون، فتسعى لتشكيل رأي عام مجتمعي يعمل على تغيير وتعديل تلك القوانين المقيدة للحرية قدر استطاعتها

نعم الشعب يحتاج إلى قائد. فلنعلمه كيف يختار القائد، لا أن نجعل من أنفسنا هذا القائد؛ منطلقين ربما من قناعة مسبقة بأن جموع الملايين من هذا الشعب ليس بينها من يصلح قائدا غيرنا أو من خارج فصيلنا! لا نعتقد هذا للحظة، فهو هراء، كما لا نجبر الناس على الحرية مكرهين إذا استمرأوا العبودية، ولا نؤزهم عنوة إلى محراب الكرامة إذا استلذوا المهانة؛ لأنهم حينها سيكونون أول المقاومين لتغيير ما اعتادوا عليه.

الوضع القانوني للجماعة
الأصل أن تسجل الجماعة وفق قانون البلد الذي تعمل فيه، وأن تتكيف مؤسساتها ومراكزها وأنشطتها ضمن الأطر القانونية التي تنظم عمل الجمعيات الأهلية والمدنية. وإن كان ثمة قصور في مساحة الحركة المتاحة في ظل القانون، فتسعى لتشكيل رأي عام مجتمعي يعمل على تغيير وتعديل تلك القوانين المقيدة للحرية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

 

أما في الدول التي تحظر الجماعة، فقرار استمرار العمل خارج الإطار القانوني أو تجميد العمل لفترة أو العمل من خلال نوافذ أخرى ومنصات متعددة، يعود إلى تقدير الجماعة في تلك الدولة، ويجدر أن يكون نابعا من نقاش مستفيض مع جميع أعضائها، وبعد قياس المفاسد والمصالح في كل خيار قبل الوصول إلى قرار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.