هل العلمانية طوق النجاة من التخلف؟

مدونات - العلمانية والدين

تطرَحُ العلمانيّةُ نفسَها كحلٍّ جذريٍّ وحقيقيٍّ لما يعانيهِ العَالَمُ الإسلاميُّ من تخلُّفٍ ترجعُ التياراتُ العلمانيّةُ سبَبَهُ إلى تمسّكٍ بدستوريّةِ الدّينِ وأحقيّتِهِ في حكمِ المجتمعَات سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. بل إنّ المشروعَ العلمانيّ في المجتمعاتِ المسلمةِ يزعمُ أنّهُ ما قامَ إلّا لينتشلَ الأمّةَ من قاعِها المتخلّفِ ويجعلَ منها -بفعلِ العلمانيّةِ- أمّةً متقدمَة، وهوَ إذ يحاولُ التأصيلَ لفرضيّتهِ المزعومةِ يجعلُ من النموذجِ الغربيِّ -المختلفِ كليًّا في طبيعتهِ وتاريخهِ- دليلًا يرجعُ إليهِ للمقارنةِ والاستدلال، ويضيفُ إلى دليلهِ هذا دليلًا آخرَ يستمدّهُ من الواقعِ المؤسِفِ الذي تعانيهُ الأمّةُ المُسلمةُ في عصرهَا الآنيّ، فإذا طالبناهُ بأدلةٍ أخرى مقنعةٍ على صحّةِ ما يذهبُ إليهِ من كونِ العلمانيّةِ منقذَ الأمّةِ من تخلّفِها فلن نجدَ أكثرَ من هذا إلّا افتراضاتٍ أساسُها المخاوِفُ المؤدلَجَةُ والأوهامُ التي تُوقِدُهَا أحكامُ الرّفضِ المُسبقَة.

قبلَ أن نناقشَ الفكرةَ لا بدّ أن نتصوّرَ مفهومَ التقدّمِ والتخلّف، فالمصطلحانِ عميقانِ في مدلولاتهما ويحيطُ بهما جدلٌ باعتبارِهما من المفهوماتِ النسبيّةِ التي يصعبُ الاتفاقُ على تعريفها بوضوحٍ وحسمٍ، فما هيَ المعاييرُ التي تجعلُنا نضعُ دولةً أو مجتمعًا في خانةِ التقدمِ أو التخلّف، وما هوَ المعيارُ الأساسيُّ الذي تلعبُ العلمانيّةُ عليهِ دورَها التنظيريّ؟

إذا رجعنا إلى بداياتِ استعمالِ مصطلحي التقدّمِ والتخلّف سنجدُ أنّهما برزَا معَ ما يُسمّى بعصورِ التنويرِ واستعمِلا في سياقٍ فلسفيٍّ مؤدلَجٍ يتبنّى نسقًا فكريّةً معيّنة، ولا يهمّنا في هذا المقالِ أن نتناولَ استعمالاتِ المصطلحِين تاريخيًّا بل يكفي أن نقولَ إنّ الجدلَ بخصوصِهما تقلّصَ في العصرِ الحديثِ الموغلِ في الماديّةِ حتى صارَ تعريفُ التقدّم والتخلّف كغيرهِ من المصطلحاتِ الفلسفيّةِ الأخرَى يتخذُ بعدًا ماديًّا بحتًا ويضعُ الجانبَ الاقتصاديّ معيارًا أوليًّا للتصنيفِ قد يتبعهُ بعدَ ذلكَ عرضًا بمعاييرَ هامشيّةٍ تتعلّقُ بالجانبِ العلميّ أو بالتزامِ الدولِ والمجتمعاتِ بمواثيقِ الأممِ المتّحدَةِ ومفاهيمِها الفكريّةِ المتعلّقةِ بالديموقراطيّةِ وحقوقِ الإنسان. فتعرّفُ الأممُ المتحدةُ التقدّمَ والتخلّفَ بأنهُ حسنُ أو سوءُ استغلالِ المواردِ الاقتصاديّةِ والبشريّة، كما يُعرّفُهمَا الوعيُ الجمعيُّ للناسِ بأنّهُما تطوّرُ البلادِ ونهضتها أو تخلّفها وتراجُعها على الجوانبِ الاقتصاديّةِ والعمرانيّةِ والخدميّة.

الزعمُ بأن مجتمعًا من المجتمعاتِ أو عصرًا من العصورِ قد حققَ تقدُّمًا على كافةِ الجوانبِ والأصعدةِ زعمٌ خرافيّ، لأنّ الأممَ والعصورَ خليطٌ مكوّنٌ من عناصرَ كثيرةٍ معقّدةٍ تتقدّمُ في بعضها وتتأخّرُ في بعضِها

وفي سياقِ تعريفِ التقدمِ والتخلّفِ لا ينبغي أن نغفَلَ أنّ هناكَ تيّارًا لا بأسَ بهِ من المثقفينَ وغيرِهم يتبنّى فكرةَ اعتبارِ التقدّمِ والتخلّفِ من خرافاتِ العصرِ الحديثِ التي لا يمكنُ قبولُها موضوعيًّا فضلًا عن أن يُقبلَ تصنيفُ الدولِ والأممِ والمجتمعاتِ بناءً عليهَا، ويرى بأنّ إحرازَ البشريّةِ في عصرِها الحاليّ تقدّمًا في جانبٍ من الجوانبِ لا يسوّغُ الحكمَ العامّ عليها بالتقدّمِ والحكمَ على البشريّةِ في عصورِها السّابقةِ بالتخلّف، كما أنّ إحرازَ مجتمعٍ من المجتمعاتِ تقدّمًا في جانبِ من الجوانبِ لا يسوّغُ الحكمَ العامّ عليهِ بالتقدّمِ والحكمَ على المجتمعاتِ الأخرى التي لم تلحقهُ في هذا الجانبِ حكمًا عامًّا بالتخلّفِ إذ إنّها قد تكونُ متقدّمةً عليهِ في جوانبَ أخرَى مختلفَة تأخرَ فيهَا.

 

فالزعمُ بأن مجتمعًا من المجتمعاتِ أو عصرًا من العصورِ قد حققَ تقدُّمًا على كافةِ الجوانبِ والأصعدةِ زعمٌ خرافيّ، لأنّ الأممَ والعصورَ خليطٌ مكوّنٌ من عناصرَ كثيرةٍ معقّدةٍ تتقدّمُ في بعضها وتتأخّرُ في بعضِها. وكمثالٍ على ذلكَ فإن المجتمعاتِ الغربيةَ حققت تقدّمًا على المستوى الاقتصاديّ والتكنولوجي والعلميّ لكنها تأخرت على الجانبِ الاجتماعيّ والأخلاقيِّ بل وعلى مستوى الشعور النفسيِّ بالسعادةِ والرضَا والاكتفاء وما شابه. إضافةً إلى ذلكَ فمن الصعبِ القولُ بأنّ آثارَ التقدمِ الذي أحرزتهُ هذه المجتمعاتُ على الجوانبِ المذكورةِ إيجابيّةٌ ومحمُودَة بإطلاق، وإلّا فهل ينكرُ أحدٌ أنّ آثارَ التقدّمِ الصناعيّ أضرّت كثيرًا بالبيئةِ والمناخِ وصحّةِ الإنسان؟

فتعريفُ التقدمِ والتخلّفِ مبنيٌّ -اعتمادًا على ما ذكرناهُ- على اتجاهاتٍ ثلاثة: الأولُ منها ماديٌّ، والثاني معنويٌّ، والثالثُ إنكاريٌّ. وعلى الاتجاهينِ الأخيرينِ لا يمكنُ للعلمانيةِ أن تطرحَ نفسَهَا كحلٍّ لإشكاليّةِ التخلّفِ، لأنّ اعتبارَهما إمّا أن ينفي فكرةَ التصنيفِ من أساسِها فلا يصيرُ للنقاشِ في الفكرةِ أيّ معنى، وإمّا أن يجعلَ العلمانيّةَ جزءًا من المشكلةِ لا جزءًا من الحلّ.

 

وإذن لم يبقَ لنا إلّا الاتجاهُ الماديُّ في التعريفِ، وهوَ الذي تلعبُ العلمانيّةُ عليهِ -على الأغلبِ- دورَها التنظيريّ. وهنا تتضحُ الفكرة، ويمكنُنا أن نطرحَ السؤالِ بصورةٍ دقيقة: هل العلمانيةُ حلٌّ لما نعانيهِ من إشكاليّةِ التخلّفِ على الجانبِ الاقتصاديِّ والعمرانيّ والخدميِّ؟ إذا كانَ الجوابُ نعم، فيلزمُ منهُ أمران: أولهمَا أنّ مشكلةَ التأخرِ سببُها نقيضُ العلمانيّة (الدين)، وثانيهمَا أنّ الدولَ التي تتبنّى العلمانيّةَ (بتعريفها الجامعِ المانعِ) متقدّمة. فلنتصوّرِ الواقعَ إذن، لنرى إن كانَ ينطبقُ معَ الفكرةِ وما يلزَمُ منها. 

ليسَ الواقعُ في دولِنا العربيّةِ غامضًا، فدولُنا بلا استثناءٍ تحكمُها العلمانيّةُ كليًّا أو جزئيًّا، وما مِن دولةٍ عربيّةٍ محكومة بالنظامِ الإسلاميِّ، بل يمكننا أن نتوسّع جازمينَ فنقول: ما من دولةٍ في العالمِ كلّهِ محكومة بالنظامِ الإسلاميِّ، فالعلمانيةُ فرضت نفسَها بالقوّةِ الخشنةِ أو الناعمةِ نظامًا حاكمًا على كلّ دولةٍ في العالَمِ، لا تتبنّى دولةٌ نظامًا مخالفًا إلّا وتحارَبُ حتّى تؤوبَ إلى حكمِ العلمانيّة.

 

إن افترضنا جدلًا أن واقعا حَكَمهُ الدينُ فتخلّف، أو واقعًا حكمته العلمانية فتقدم، فلا يعني ذلكَ أن الدينَ بنفسهِ هو السبب، ولا أنّ العلمانيةَ بنفسِها هي السبب
إن افترضنا جدلًا أن واقعا حَكَمهُ الدينُ فتخلّف، أو واقعًا حكمته العلمانية فتقدم، فلا يعني ذلكَ أن الدينَ بنفسهِ هو السبب، ولا أنّ العلمانيةَ بنفسِها هي السبب
 

وعليهِ فليسَ السببُ في تخلفِ العربِ (بالأخصِّ) والمجتمعاتِ الناميةِ (بالعمومِ) دينيًّا، ولا يمكنُ اعتبارُ الدينِ سببًا لأنّهُ ليسَ فاعلًا من الأصلِ، وإذا أنكرَ العلمانيونَ ذلكَ مكابرةً وأصرّوا على اعتبارهِ فاعلًا، فبإمكاننا أن نحاججهم بنماذج من دولٍ عربيةٍ يعتبرونها علمانيّةً بلا جدالٍ كتونسَ مثلا، وهيَ تحتَ حكمِ العلمانيةِ الشاملةِ من عقود، وما حققت من تقدّمٍ على أيّ جانب، بل إن بعض الدولِ العربيّةِ التي هيَ أقلّ علمانيةً منها سبقتها على الجوانبِ الاقتصاديةِ والعمرانيةِ والخدميّة وسبقتها فيما هو أكثرُ من ذلك.

 

نقولُ هذا من باب التنزلِ في النقاش، وإلّا فإنّ طرحَ الفكرةِ هوَ ما يحتاجُ إلى برهانٍ لا نقضها، ولا يقدّم العلمانيونَ أيّ برهانٍ على فكرتِهم باستثناءِ استشهادهم بالواقعِ الذي لا يشهدُ في حقيقةِ الأمرِ لهم بل عليهم. حتّى وإن افترضنا جدلًا أن واقعا حَكَمهُ الدينُ فتخلّف، أو واقعًا حكمته العلمانية فتقدم، فلا يعني ذلكَ أن الدينَ بنفسهِ هو السبب، ولا أنّ العلمانيةَ بنفسِها هي السبب، إثباتُ ذلكَ يحتاجُ لأن نفهمَ كيفَ تحديدًا وتفصيلًا، وإلا كان كلامُنا مجرّد تخارِيف وتهاويم.

 

إنّ اعتبارَ العلمانيةِ حلًّا لإشكاليةِ التخلّفِ بالمعنَى الذي ينظّرُ لهُ العلمانيونَ يقتضي أنّ كلّ دولةٍ علمانيةٍ متقدّمة، والعالَمُ كلّه علمانيٌّ، وفيهِ ما تقدّمَ وما تأخّر. كما أنهُ يقتضي أنّ كلّ دولةٍ يحكمُها الدينُ متخلّفَة، والواقعُ الحاليُّ ليسَ فيهِ دولةٌ يحكمها الدينُ لنستشهدَ بهِ على نقضِ الفكرة، لكنّ الماضِي يشهدُ معنَا بكلّ صفحاتِ تاريخِنا أنّنا لما حكّمنا الدينَ فينا حكَمنا العالَمَ وتقدّمنا على الجميع، فليسَ الدينُ مشكلةً إذن، وليست العلمانيةُ حلًّا إذن، وليسَ هذا كلامًا عاطفيًّا، لكنّهُ الحقيقةُ الناطقة تتكلّمُ فتنفي وتثبِت.