شعار قسم مدونات

عيون الموت التى تلاحقنا!

blogs المدارس الكندية الداخلية

قادتني صدفة – لم تُحبّنى-  لمشاهدة الفيلم الوثائقي "الزمن الأسود: مدارس كندا الداخلية" مرة ثانية؛ الفيلم يوثّق عمل لجنة "الحقيقة والمصالحة" الكندية بعدما انتهت من أعمالها التى استمرت على مدار سبع سنوات جابت فيها مقاطعات كندا للاستماع إلى شهادات الناجين من "المدارس الداخلية" التى كانت قد أنشئتها الحكومة الفيدرالية في سبعينيات القرن التاسع عشر لدمج "أطفال السكان الأصليون" في المجتمع الكندي الحديث.

 

الشهادات المروِّعة عن "خطف الأطفال" من والديهم وهم في عمر شهور وحبسهم داخل تلك المدارس والمعاملة الوحشية التى تلقاها هؤلاء الأطفال من تعذيب وعنف جسدى فى محاولة لاقتلاعهم من جذورهم العائلية وطمس هويتهم الثقافية والعرقية بالقوة المفرطة والأهم، حرمانهم من النشأة السوّية بين أهليهم، شهادات مؤلمة عن طفولة نبتت بين تشققات جدران سجن قاسٍ وعُمرٍ مُبهم أتي من بعدها، حيث لا جذر يعود إليه، ولا مجتمع يعرفه ويتقبله.

 

متى تجفّ الدماء ويتوقف سيل القهر المنهمر والجثامين المغدورة بالرصاص، متى ينتهي الفزع النائم على وجوه الموتى والفزع المتأهب على قَسمات الأحياء

لم تكن المشاهدة الأولى للفيلم ولا المعرفة الجديدة بالحكاية، لكنى غرقتُ فيه تماماً، أتساءل: كيف لمن عاش مَظلمة أن تجرّ عليه مظالم مشارق الأرض ومغاربها الشعور ذاته بالغصة والألم، وكيف يجعلنا الألم أكثر هشاشة وصلابة في الوقت ذاته، ثمّ كيف يمكن للحزن أن يجمع أوراقه كلها ثم يلقيها في وجهك مرّة واحدة!

 

يقول عضو لجنة المصالحة، أنه كان ثمّة مطلب رئيسى لكل من استمع إلى شهاداتهم من الناجين، كان مطلبهم الأساسي أن "تعلم كندا بما حدث لهم وما تعرضوا له". هكذا ببساطة، أن يعرف جارى ما عانيته في صغرى كما قال أحدهم.

 

فى الفيلم أيضاً تتذكر ابنة أحد الناجين أنه لسنواتٍ طويلة لم تعرف سبب ذلك الارتباك العاطفي فى البيت. تقول: كان أبي يلوذ بالصمت دائما، استمر هذا حتى وصلتُ إلى الثلاثين، حينها علمت ما تعرض له فى طفولته، لكنه كان قد رحل! أستطيع الآن أن افهم صمت أبيها، رغبته فى الاحتفاظ بسرّه، ألاّ يجعلهم مأزومون بتركته القاسية، فما بين مطرقة أن يعرفوا وينقموا على مجتمعهم، وسندان ألاّ يعرفوا ويبقي الصمت لغزه الدائم كان الاختيار، وفى الحالين أحلاهما مرّ.

 

استمع إلى حكايات الناجين وأفكر، متى يمكننا أن نصل إلى تلك النقطة، أن تستقر الأرض من تحتنا وترتخى أعصابنا المشدودة منذ سنوات، نتنفس الصعداء ونحكي ثم نبكي ونطالب بحقنا فى "التعاطف" بعد حقنا في "الحكاية". فقط الحقّ في التعاطف، أن يعلم الجميع كيف يلُفنا الخوف مع كل طارقٍ جديد، أو خبر عاجل، كيف أزكمتنا رائحة الموت وملئت ذاكرتنا صور الراحلين، وكيف أتعبتنا نظرات الأطفال القَلِقة؟

 

متى تُشفى جراحنا حتى يمكننا المُضى في الحياة غير مثقلين بالحزن والثأر والغضب، متى تجفّ الدماء ويتوقف سيل القهر المنهمر والجثامين المغدورة بالرصاص، متى ينتهي الفزع النائم على وجوه الموتى والفزع المتأهب على قَسمات الأحياء وكأن الصدمة تأخذ الجميع، من مات ومن بقي! ألا سبيل للنجاة؟ مأخوذون بـذنبٍ لم نقترفه، يتبادلنا رصاص البدلة العسكرية والراية السوداء، ندور في رحى معركة صفرية يذهب فيها الطيبين أفواجاً، ويبقي ثِقل الشهود والمعرفة معلقاً برقابنا لا ينفكّ عنّا ولا نهرب من وطأته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.